العروبة – خاص
يجمع الشاعر والخطاط صلاح الخضر بين تجربتين تتكاملان في علاقته بالحرف، إذ بدأ كتابة الشعر في الحادية عشرة متأثراً بما قرأه في مكتبة والده، ولا سيما أشعار قيس بن الملوح، قبل أن تنتقل تجربته من المحاكاة إلى التعبير عن قضايا المجتمع والوطن، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وبدأت علاقته بالخط العربي منذ المرحلة الابتدائية، قبل أن تتطور بالتدريب والتتلمذ على أيدي عدد من الخطاطين، وصولاً إلى المشاركة في عشرات المعارض الجماعية وإقامة معارض فردية في سوريا وخارجها.
واستعاد الخضر، في حواره مع «العروبة»، بداياته بين الشعر والخط وتحول تجربته من الوجداني والنسيب إلى القضايا العامة، كما تحدث عن حضور الحولة وذاكرتها في وجدانه، وأسباب انقطاعه عن الكتابة، ومشاركته في المظاهرات منذ بدايات الثورة السورية، ودور الشعر في التعبير عن مواقفه وتوثيق التحولات التي عاشها السوريون.
كيف بدأت علاقتك بالشعر، ومتى كانت بداياتك الأولى في الكتابة؟
قال الخضر: «بدأت علاقتي بالشعر في الحادية عشرة من عمري، بعد تأثري بما قرأته من قصائد ودواوين في مكتبة والدي، وتأثرت آنذاك بقصة مجنون ليلى وأشعاره، فبدأت بحفظ قصائده ومحاولة الكتابة على غرارها ومحاكاتها».
وأضاف: «مع مرور الوقت، بدأت بتوسيع قراءاتي لتشمل كثيراً من الشعراء الفحول، والتعمق في علمَي العَروض والقافية، بهدف تقوية الدربة وتطوير مهارات الكتابة، وكانت بداياتي الحقيقية في الجامعة، من خلال الأمسيات الشعرية التي كان يقيمها اتحاد طلبة سورية».
كيف تطورت تجربتك الشعرية من تلك البدايات إلى اليوم؟
أوضح الخضر: «في البدايات، غلب على كتابتي اللون الوجداني والنسيب، متأثراً بأشعار قيس بن الملوح وشعراء المدرسة العذرية، ثم بدأت لاحقاً بتسليط الضوء على حركة الحياة والقضايا التي يعيشها مجتمعي، وعلى قضايا الوطن العربي، فكانت القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، حاضرة بقوة في قصائدي».
وبيّن: «بذلك انتقلت تجربتي من محاكاة النماذج الشعرية التي تأثرت بها في بداياتي إلى محاولة التعبير عن الواقع وما يحمله من قضايا وهموم».
إلى جانب الشعر، كيف بدأت تجربتك في الخط العربي؟
قال الخضر: «بدأت رحلتي مع الخط العربي في مرحلة الدراسة الابتدائية، وتحولت مع الوقت إلى شغف يزداد يوماً بعد يوم، وكنت أحاكي لوحات كبار الخطاطين وأتدرب على كراريسهم، إلى أن التقيت بالخطاط عدنان الشيخ عثمان، فتحولت ممارسة الخط من هواية إلى حرفة».
وأضاف: «صقلت موهبتي على يديه في بعض أنواع الخطوط، وحصلت على إجازتي الأولى منه، وأكملت لاحقاً تطوير مهاراتي على يد الأستاذ محمد جلول، الذي أجازني أيضاً، وأسهم ذلك في ترسيخ تجربتي والانتقال بها إلى مراحل أكثر تقدماً».
وأشار إلى أنه شارك خلال مسيرته في الخط العربي في عشرات المعارض الجماعية، إلى جانب عدة معارض فردية في سوريا وخارجها، مؤكداً أن الخط مثّل بالنسبة إليه مجالاً آخر للتعبير عن الجمال والفكرة، ومكملاً لعلاقته بالحرف التي بدأت مع الشعر.
إلى أي مدى حضرت الحولة في تجربتك الشعرية؟
أوضح الخضر: «لم أكن كثير التأثر بتفاصيل الحياة والعادات الاجتماعية في الحولة خلال بداياتي، إلى أن اضطررت إلى السفر خارجها، وفقدت تلك الحياة الهادئة والعلاقات الاجتماعية بتفاصيلها الدقيقة، فبدأ الحنين إليها يتشكل لديّ بصورة أكبر».
وأضاف: «من هنا أصبحت تفاصيل المكان وذكرياته وعلاقاته الاجتماعية أكثر حضوراً في وجداني، ولا سيما بعد الابتعاد عنه، فقد جعلني الغياب أكثر انتباهاً إلى التفاصيل التي ربما لم أكن ألتفت إليها بالقدر نفسه وأنا أعيش بينها».
توقفت عن الكتابة قبل الثورة السورية.. فما الأسباب؟
أوضح الخضر: «توقفت عن الكتابة قبل انطلاق الثورة السورية بسنوات عديدة، فمن جهة لم أكن أرى قيمة حقيقية فيما يُكتب في ظل الظروف القائمة، ومن جهة أخرى كان ذلك مرتبطاً بما تعرضت له من مضايقات أمنية».
وأضاف: «تسليط الضوء على العلاقات الاجتماعية التي فرضها النظام السابق، أو تناول الموضوعات السياسية المخالفة له، كان يعرّض صاحبها للأذى، وقد يصل الأمر إلى الاعتقال أو القتل، ولم أكن أجيد التحايل أو التموضع حيث يريد النظام السابق، لذلك اخترت التوقف عن الكتابة».
كيف تصف حضورك في الثورة السورية ودور الشعر في التعبير عن موقفك؟
قال الخضر: «كنت من أوائل الملتحقين بالمظاهرات في بداية الثورة السورية، بل كنت من منظميها، ولم أتوقف عن دعمها بكل ما أملك، ورهنت حرفي للثورة السورية، وسأبقى مخلصاً لها ما حييت».
وأضاف: «لا أبالغ إن قلت إنني كلما رأيت ما تكشف من جرائم النظام السابق، ازددت قوة في الدفاع عن هذه الثورة، التي أعتقد أنها أسدلت الستار على جرائم ارتكبها أحد أكثر الأنظمة وحشية في العالم على مر التاريخ».
كيف تنظر إلى دور الشعر في توثيق الأحداث والتحولات؟
أكد الخضر أن «الشعر وعاء أمين للتاريخ، فالشاعر ابن بيئته، يوثق ويؤرخ ويحكي بشعره كل ما يمسه ويمس وطنه ومن حوله من متغيرات، لذلك لا أجد حافظاً أميناً ومصوراً للواقع كما هو الشعر، فهو لا يقبل التزوير والعبث فيه».
وأضاف: «كما كنت منذ انطلاقة الثورة السورية لساناً للحق، ما زلت سنداً للشعب السوري وهو يعيش مرحلة قاسية وعصيبة، مشتتاً بين الانتقال إلى حياة جديدة خالية من الظلم، وبين إرث من المواجع والآلام والذكريات التي يحاول التخلص منها».
ويكشف حوار الشاعر والخطاط صلاح الخضر مسار تجربة بدأت مبكراً مع الشعر، متأثرة بالتراث العربي، قبل أن تتجه نحو قضايا المجتمع والوطن، بالتوازي مع تجربة فنية في الخط العربي تطورت بالتدريب والتتلمذ والمشاركة في المعارض.
ويظل الحرف، بين الشعر والخط، مساحة مركزية في تجربة الخضر للتعبير عن الذات والمكان والوطن، فيما استعادت الحولة حضورها عبر الحنين والذاكرة، وحضرت التحولات السياسية والاجتماعية في تجربته الشعرية، ليبقى الحرف شاهداً على الإنسان وزمنه وتحولاته.