العروبة – خاص
بدأ مالك جندلي مسيرة موسيقية قادته من جذوره السورية إلى أبرز المسارح العالمية، قبل أن تتحول الموسيقى في مرحلة لاحقة من حياته إلى وسيلة للتعبير عن قضايا وطنه، وتوثيق جانب من ذاكرة السوريين خلال سنوات الثورة السورية.
وُلد الموسيقار وعازف البيانو مالك جندلي في ألمانيا عام 1972، لأسرة سورية تنحدر من مدينة حمص، ونشأ في بيئة ارتبطت بالموسيقى والثقافة، وبدأ دراسة العزف على البيانو في سن الرابعة، قبل أن يقيم أول حفل موسيقي له وهو في الثامنة من عمره.
واتجه جندلي منذ سنواته الأولى إلى تطوير موهبته بصورة أكاديمية، ثم توسعت تجربته لاحقاً لتشمل التأليف الموسيقي إلى جانب العزف، ليصبح واحداً من الأسماء السورية التي استطاعت الوصول إلى جمهور عالمي.
من حمص إلى عالم الموسيقى
ارتبط اسم جندلي منذ بداياته بمدينة حمص، التي تنحدر منها عائلته، وظل حضور المدينة واضحاً في عدد من أعماله الموسيقية، سواء من خلال استحضار اسمها التاريخي «أميسا»، أو عبر ارتباط مؤلفاته بالذاكرة السورية والتراث الحضاري للمنطقة.
وحصل عام 1988 على جائزة المسابقة الدولية للموسيقيين الشباب في سوريا، قبل أن يواصل تطوير مسيرته خارج البلاد، ويحصل عام 1997 في الولايات المتحدة على جائزة أفضل عازف بيانو، في محطة عززت حضوره ضمن الوسط الموسيقي هناك.
درس جندلي نظريات التأليف الموسيقي في جامعة كوينز الأميركية، وتخرج منها بدرجة امتياز، ثم حصل على درجة الماجستير بتقدير شرف من جامعة كارولينا الشمالية، جامعاً بين التدريب الأكاديمي والنشاط الفني على المسارح.
وقدم خلال مسيرته مؤلفاته وعروضه برفقة فرق سمفونية في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وشارك في حفلات على مسارح عالمية، من بينها قاعة كارنيغي في نيويورك، كما أصبح عضواً في الجمعية الأميركية للملحنين والمؤلفين والناشرين.
الموسيقى بوصفها ذاكرة سورية
ربط جندلي جانباً أساسياً من مشروعه الموسيقي بالتراث الحضاري السوري، متجاوزاً التعامل مع الموسيقى باعتبارها أداءً فنياً فقط، إلى توظيفها في استحضار الذاكرة والتاريخ.
وقدم في هذا السياق عمله «أصداء من أوغاريت»، مستنداً إلى اللحن الموسيقي القديم المكتشف في مدينة أوغاريت السورية، والذي يُعد من أقدم التدوينات الموسيقية المعروفة في العالم.
وسعى من خلال المشروع إلى إعادة تقديم الألحان السورية القديمة ضمن قالب موسيقي معاصر، جامعاً بين الموروث الشرقي وتقنيات الموسيقى الكلاسيكية الغربية، في محاولة لإيصال جانب من التاريخ الموسيقي السوري إلى جمهور عالمي.
ووسّع بذلك علاقته بسوريا إلى ما هو أبعد من المكان الذي تنحدر منه أسرته، عبر مشروع فني استحضر الحضارة السورية القديمة وربطها بالموسيقى العالمية الحديثة.
الثورة السورية.. الموسيقى تتحول إلى موقف
اتخذ جندلي مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 موقفاً معلناً مؤيداً لمطالب السوريين في الحرية والكرامة، وانتقل حضوره من فضاء الموسيقى التقليدية إلى مساحة أكثر ارتباطاً بالشأن السوري العام.
وشارك في تظاهرة سلمية أمام البيت الأبيض برفقة أفراد من الجالية السورية، وقدم خلالها عمله «وطني أنا»، تعبيراً عن موقفه من الأحداث التي كانت تشهدها سوريا.
وحصل في العام نفسه على جائزة حرية التعبير في مدينة لوس أنجلوس، تقديراً لنشاطه الفني والإنساني وموقفه من قضايا الحرية وحقوق الإنسان.
وكشف جندلي في تصريحات سابقة لوسائل إعلام أن والديه تعرضا لاعتداء داخل منزلهما في مدينة حمص في 20 أيلول 2011، على يد عناصر من أجهزة أمن (نظام الأسد البائد)، وقال إن الحادثة جاءت على خلفية مواقفه ونشاطه.
وشكلت الحادثة محطة شخصية قاسية في تجربته، فيما أصبحت العلاقة بين الموسيقى والقضية السورية أكثر وضوحاً في أعماله التي قدمها خلال السنوات اللاحقة.
«سوريا نشيد الأحرار».. صوت من قلب الثورة
وأصدر جندلي في نيسان 2013 عمله «سوريا نشيد الأحرار»، الذي جمع بين الكلمات والغناء والكورال والأوركسترا، وقال في حديث سابق إن العمل جاء من وحي الشارع السوري.
وأوضح أنه اختار للعمل اسم «سوريا نشيد الأحرار»، في محاولة لتقديم عمل فني يحمل اسم البلاد ويعبر عن الحرية.
واستند العمل إلى مفردات مرتبطة بسوريا وذاكرتها، من الطفولة والزيتون إلى الشهداء والأنبياء، ليصبح أحد الأعمال التي ارتبطت في الذاكرة الفنية السورية بمرحلة الثورة.
«السيمفونية السورية».. الثورة في أربع حركات
وشكلت «السيمفونية السورية» إحدى أبرز المحطات في مشروع جندلي الفني المرتبط بالثورة، إذ بدأ العمل عليها عام 2011، واستمر في تأليفها خلال السنوات التالية، قبل تقديمها في قالب سمفوني مؤلف من أربع حركات، تسرد كل منها جانباً من مسار الثورة والأحداث التي رافقتها.
وتتناول الحركة الأولى بدايات الثورة والمظاهرات السلمية المطالبة بالحرية، فيما تنتقل الحركة الثانية إلى مساحة مختلفة من التجربة السورية، قبل أن تصبح الأجواء أكثر قتامة في الحركة الثالثة التي تستحضر المجازر والعنف والاعتقالات والدمار الذي أصاب السوريين.
وتنتقل الحركة الرابعة من الألم إلى الأمل، حاملة تصوراً للنصر والعودة والحياة الجديدة، فيما أدخل جندلي في العمل عدداً من الألحان والأهازيج المرتبطة بالثورة، من بينها «يا الله»، إلى جانب عناصر من التراث الموسيقي السوري، وربطها بالقالب السمفوني الغربي.
حمزة الخطيب والساروت وذاكرة المظاهرات
وضمّن جندلي السيمفونية إشارات موسيقية قال إنها ترتبط بحمزة الخطيب وعبد الباسط الساروت وأجواء المظاهرات الأولى، لتصبح شخصيات وأصوات من ذاكرة الثورة حاضرة داخل البناء الموسيقي للعمل.
وارتبط اسم عبد الباسط الساروت، المقاتل المنشد ولاعب كرة القدم السابق القادم من حمص، بأهازيج الثورة خلال سنواتها الأولى، وهو ما جعل حضوره في الأعمال الموسيقية التي تناولت تلك المرحلة جزءاً من محاولة توثيق الذاكرة الشعبية.
واستعاد جندلي كذلك عدداً من الأهازيج التي خرجت من الشوارع السورية، محاولاً نقلها من الهتافات الشعبية إلى موضوعات موسيقية ضمن أعمال كلاسيكية.
السيمفونية السورية على المسارح الدولية
وقُدمت «السيمفونية السورية» في عدد من المناسبات الدولية، وكان من أبرز عروضها تقديمها في قطر، حيث عزفتها فرقة قطر الفلهارمونية.
وارتبط مشروع جندلي السوري أيضاً بقاعة كارنيغي في نيويورك، إحدى أبرز قاعات الموسيقى العالمية، حيث قدم أعمالاً مرتبطة بالمشروع، قبل أن تصبح مؤلفاته متاحة عبر منصات الموسيقى الرقمية.
واحتضن مركز قطر الوطني للمؤتمرات في كانون الثاني 2025 عرضاً لـ«السيمفونية السورية»، قدم فيه جندلي العمل بوصفه سرداً موسيقياً لمسار طويل من الأحداث التي عاشها السوريون.
ونظر جندلي إلى الموسيقى باعتبارها وسيلة للتعبير تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، معتبراً أن الفنان يستطيع إيصال قضية بلاده إلى الجمهور العالمي من خلال لغة الموسيقى.
وحاول من هذا المنطلق تقديم الثورة السورية خارج إطار الخطاب السياسي المباشر، عبر الموسيقى الكلاسيكية والاستفادة من الفرق والأوركسترات الدولية في تقديم أعمال تتناول التجربة السورية.
وتحولت أعماله تدريجياً إلى محاولة لدمج الموسيقى السورية والتراث الشعبي والألحان المرتبطة بالثورة ضمن قوالب موسيقية عالمية.
«شجرة الياسمين» و«أميسا – حمص»
وقدم جندلي، إلى جانب «السيمفونية السورية» و«سوريا نشيد الأحرار»، عدداً من الأعمال المرتبطة بسوريا، من بينها «أميسا – حمص»، الذي يستعيد الاسم التاريخي للمدينة التي تنحدر منها عائلته، إضافة إلى «شجرة الياسمين» و«يا الله».
وتتقاطع هذه الأعمال في حضور المكان والذاكرة والهوية السورية، وهي عناصر أصبحت جزءاً ثابتاً من تجربته الموسيقية.
وقدم كذلك أعمالاً أخرى ذات طابع إنساني، من بينها «مرثاة» و«طائر العنقاء في المنفى» و«المحيط الصامت»، الذي تناول من خلاله مأساة الطفل السوري إيلان كردي وقضية الموت في البحر والهجرة واللجوء.
أوبرا «الساحة».. مشروع جديد
وامتدت تجربة جندلي بعد «السيمفونية السورية» إلى مشروع أوبرالي حمل اسم «الساحة»، وقال إنه عمل عليه لسنوات، بهدف تقديم تجربة سورية وعربية ضمن قالب الأوبرا العالمية.
ووظف المشروع عناصر من التراث العربي والإسلامي والسوري وربطها بالتقنيات الموسيقية المعاصرة، ضمن مسار أوسع يرى فيه جندلي الفن وسيلة لإعادة تقديم الثقافة السورية إلى العالم، باعتبارها جزءاً من المشهد الثقافي العالمي المعاصر.
صلة عائلية بستيف جوبز
ويرتبط اسم جندلي كذلك بصلة عائلية مع رجل الأعمال الأميركي الراحل ستيف جوبز، مؤسس شركة «آبل»، إذ ينحدر والد جوبز البيولوجي عبد الفتاح جندلي من مدينة حمص.
وقال مالك جندلي في مقابلات إعلامية إن عبد الفتاح جندلي كان ابن عم والده، ما يجعل جوبز من أقاربه، كما تحدث عن علاقته الجيدة مع منى سيمبسون، شقيقة جوبز من جهة الأب، وهي كاتبة وأستاذة في الأدب الإنجليزي.
بين العالمية والانتماء إلى حمص
بقيت حمص حاضرة في هوية جندلي الفنية رغم انتقاله منذ سنوات طويلة إلى الولايات المتحدة وبنائه مسيرة موسيقية عالمية، فمن المدينة التي تنحدر منها أسرته استعاد اسم «أميسا»، ومن التراث السوري استمد عدداً من الألحان، ومن الثورة السورية استلهم السيمفونية التي حملت اسم البلاد إلى قاعات الموسيقى العالمية.
وانتقل مالك جندلي، على امتداد أكثر من أربعة عقود، من طفل بدأ دراسة البيانو في سن الرابعة إلى مؤلف وعازف يقدم أعماله على مسارح دولية، فيما برز التحول الأوضح في تجربته مع الثورة السورية، حين أصبحت الموسيقى لديه وسيلة لتوثيق مرحلة من تاريخ السوريين، واستحضار أصوات المظاهرات وذكريات الضحايا، والتعبير عن تطلعات الحرية والكرامة.