العروبة – خاص
تمتلك محافظة حمص مقومات طبيعية ومناخية يمكن أن تجعل من طاقة الرياح أحد الخيارات الواعدة في مجال الطاقة المتجددة، ولا سيما في المناطق التي تتميز بحركة رياح لفترات طويلة من العام، وفي مقدمتها فتحة حمص – طرابلس التي تعد من أبرز مصادر الرياح في المحافظة.
تفتح هذه المقومات المجال أمام إقامة مشاريع ومزارع ريحية يمكن أن تسهم مستقبلاً في دعم منظومة التوليد الكهربائي وتنويع مصادر الطاقة، إلا أن الاستفادة الفعلية منها ما تزال محدودة نتيجة مجموعة من العوامل الفنية والاقتصادية والاستثمارية.
وتبرز في مقدمة هذه العوامل ارتفاع تكاليف إنشاء المشاريع والحاجة إلى كوادر فنية متخصصة، إلى جانب ارتفاع أسعار بعض الأراضي المناسبة لإقامة مزارع الرياح، وانخفاض العائد الذي يحصل عليه المستثمر مقابل الطاقة المنتجة مقارنة بحجم الاستثمارات المطلوبة.
مواقع واعدة للاستثمار
وأوضح عضو لجنة الطاقة المتجددة في فرع حمص لنقابة المهندسين المهندس جهاد ديب، في تصريح لـ«العروبة»، أن المحافظة تتمتع بمواقع يمكن أن تكون مناسبة جداً للاستثمار في طاقة الرياح، مشيراً إلى أن مناطق قطينة وظهر القصير وبادية تدمر تعد من أبرز المواقع التي يمكن أن تحقق فيها مشاريع الطاقة الريحية جدوى استثمارية جيدة.
بيّن ديب أن اختيار الموقع يشكل عاملاً أساسياً في نجاح أي مشروع لإنتاج الكهرباء من الرياح، إذ ترتبط كفاءة المشروع بطبيعة المنطقة وسرعة الرياح واستمراريتها، إضافة إلى سهولة الوصول إلى الموقع وإمكانية ربط المشروع بالشبكة الكهربائية العامة.
وأشار إلى أن طاقة الرياح يمكن، عند توافر الظروف الجغرافية والمناخية المناسبة وإقامة عدد كافٍ من مزارع الرياح، أن تشكل داعماً مهماً للشبكة الكهربائية، بل يمكن في بعض الدول أن تغطي نسبة كبيرة من احتياجاتها.
وضرب مثالاً بألمانيا بوصفها من الدول الرائدة في استخدام واستثمار طاقة الرياح، موضحاً أن الطاقة الريحية يمكن أن تسهم في بعض الفترات بتأمين نسب مرتفعة من احتياجات الشبكة الكهربائية قد تصل إلى نحو 70 – 80%، بما يعكس الإمكانات التي توفرها عند توافر البنية التحتية والاستثمارات والظروف المناسبة.
تكاليف مرتفعة وكوادر متخصصة
وأشار ديب إلى أن ارتفاع كلفة إنشاء مزارع الرياح يأتي في مقدمة التحديات التي تعيق الاستثمار في هذا المجال، إلى جانب محدودية توافر الكوادر الفنية المؤهلة والمتخصصة القادرة على تنفيذ هذه المشاريع وإدارتها وفق المعايير الفنية المطلوبة.
وأوضح أن كلفة إنشاء مشاريع طاقة الرياح مرتفعة، وتقدر وفق المعطيات التي أشار إليها بنحو 1.1 دولار للواط الواحد، ما يجعل حجم التمويل المطلوب لإقامة المشروع عاملاً حاسماً في اتخاذ القرار الاستثماري.
ولفت إلى أن التحديات لا تقتصر على كلفة المعدات والإنشاء، إذ تقع بعض المواقع المناسبة لإقامة مزارع الرياح ضمن أراضٍ مرتفعة القيمة، ما يزيد الأعباء الاستثمارية ويحد من إمكانية تنفيذ المشاريع فيها.
سعر شراء الكهرباء عامل حاسم
ورأى ديب أن سعر الكيلوواط الساعي الذي يحصل عليه المستثمر مقابل الطاقة التي ينتجها ويضخها إلى الشبكة العامة، يعد من أبرز العوامل التي تحتاج إلى معالجة لتشجيع الاستثمار في طاقة الرياح.
وأوضح أن انخفاض السعر الحالي مقارنة بالتكاليف الكبيرة التي يتحملها المستثمر لإنشاء المشروع وتجهيزه وربطه بالشبكة يقلل من جاذبية الاستثمار في القطاع، مؤكداً أهمية وضع آلية تشجع المستثمرين على الدخول في مشاريع الطاقة المتجددة، بما يضمن استرداد رأس المال وتحقيق جدوى اقتصادية مناسبة.
وأشار إلى أن تحسين العائد الاستثماري يمكن أن يشكل حافزاً أساسياً لتوسيع مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما أن هذه المشاريع تتطلب استثمارات أولية كبيرة، فيما تبدأ عوائدها بالظهور تدريجياً بعد دخولها مرحلة التشغيل.
دراسات سابقة تنتظر التنفيذ
وأكد ديب أن فكرة الاستثمار في طاقة الرياح بمحافظة حمص ليست جديدة، مشيراً إلى وجود دراسات سابقة لمواقع في منطقة قطينة والبادية السورية، إلا أن الظروف التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية حالت دون انتقال هذه الدراسات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
لفت إلى وجود قطعة أرض مستملكة بالقرب من قرية السنديانة على طريق حمص – شين، جرى تخصيصها بهدف إقامة مشروع لمزرعة ريحية، بما يعكس وجود توجهات سابقة للاستفادة من الإمكانات المتوافرة في المحافظة وتوظيفها في إنتاج الكهرباء.
وأكد أن الدراسات المتوافرة تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، ولا سيما أن نجاح مشاريع الطاقة الريحية يرتبط بوجود دراسات فنية دقيقة تحدد سرعة الرياح واتجاهاتها واستمراريتها، وتساعد على اختيار المواقع الأنسب وتحديد نوع العنفات وقدرتها الإنتاجية.
الجدوى الاقتصادية مرتبطة بعدة عوامل
وأوضح ديب أن تحقيق الجدوى الاقتصادية المطلوبة لمشاريع طاقة الرياح يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها سعر الأرض وطبيعة الموقع وتكاليف تجهيز البنية التحتية، إضافة إلى نوعية العنفات المستخدمة ومردودها الإنتاجي.
بيّن أن انخفاض تكلفة الأرض وسهولة طبيعة الموقع، بما يقلل أعمال التحضير والإنشاء، إلى جانب استخدام عنفات ذات مردود إنتاجي مرتفع، يمكن أن يحسن بصورة كبيرة من الجدوى الاقتصادية للمشروع.
وأشار إلى أنه عند توافر هذه الشروط، إلى جانب الظروف المناسبة لإنتاج الكهرباء والربط بالشبكة، يمكن أن يصل المشروع إلى مرحلة استرداد تكلفته خلال خمس سنوات تقريباً، وفق المعطيات الفنية والاقتصادية للمشروع.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الدراسات المتعلقة بهذا النوع من المشاريع، إذ إن الدراسات موجودة منذ سنوات، وإنما في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ، وتأمين البيئة الاستثمارية والتمويلية والفنية اللازمة لذلك.
مشاريع متجددة تمهد لتوسيع التجربة
وأشار ديب، في سياق حديثه عن مستقبل الطاقة المتجددة، إلى وجود خطط للبدء قريباً بتنفيذ مشروع كهروضوئي بالقرب من الفرقلس باستطاعة تقارب 2 ميغاواط، موضحاً أن المشروع يمكن أن يشكل خطوة ضمن توجه أوسع نحو تنفيذ مشاريع جديدة للطاقة المتجددة في مواقع مختلفة من البلاد.
وتأتي هذه المشاريع في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تنويع مصادر إنتاج الكهرباء والبحث عن بدائل يمكن أن تخفف الضغط عن مصادر الطاقة التقليدية، فيما توفر مشاريع الطاقة الشمسية والرياح إمكانية الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة وتحويلها إلى طاقة كهربائية.
طاقة الرياح.. مورد محلي ينتظر الاستثمار
وتؤكد المعطيات المتعلقة بالمناطق ذات الإمكانات الريحية في حمص أن المحافظة تمتلك فرصاً يمكن البناء عليها في هذا القطاع، ولا سيما في المواقع التي تتمتع بسرعات رياح مناسبة ومساحات قابلة لإقامة المشاريع.
ويتطلب تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع إنتاجية منظومة متكاملة تشمل استكمال الدراسات الفنية وتأمين التمويل وتوفير الكوادر المتخصصة واختيار العنفات ذات الكفاءة العالية، إلى جانب معالجة كلفة الأراضي وتطوير آليات شراء الطاقة المنتجة بما يحقق توازناً بين مصلحة المستثمر واحتياجات قطاع الكهرباء.
ويرتبط الاستثمار في طاقة الرياح، وفق هذه المعطيات، بتوافر البيئة الفنية والاقتصادية والاستثمارية القادرة على تحويل المورد الطبيعي إلى طاقة منتجة، إلى جانب توافر الرياح المناسبة لإقامة المشاريع.
ويبقى الانتقال من الإمكانات النظرية والدراسات المتوافرة إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع التحدي الأبرز، من خلال تأمين التمويل والكوادر والتجهيزات والحوافز الاستثمارية المناسبة، بما يتيح لطاقة الرياح أن تتحول من فرصة مؤجلة إلى أحد روافد منظومة الطاقة المتجددة في سوريا.