حين تحفظ الأمهات نكهة الصيف للشتاء.. الفاكهة المجففة مؤونة وذاكرة في ريف حمص

العروبة – خاص

تتغير تفاصيل الحياة اليومية في كثير من بيوت ريف حمص مع بدء موسم الفاكهة، فمع نضوج المشمش والتين والعنب والتفاح والدراق، لا تكتفي العائلات بتناول الثمار طازجة، بل تحتفظ بجزء منها لأشهر الشتاء من خلال تجفيفها تحت أشعة الشمس وفي الهواء.

وتنتشر على أسطح المنازل وفي الباحات صوانٍ تحمل ثماراً اختيرت بعناية، في مشهد يرتبط لدى كثير من الأسر الريفية بذاكرة العائلة، وعادة توارثتها الأمهات واعتدن ممارستها مع حلول الموسم كل عام.

عادة تعلمتها الأمهات من الجدات

تنشغل السيدة أم عادل، من إحدى قرى ريف حمص، أمام صينية واسعة بترتيب حبات المشمش تمهيداً لتجفيفها، موضحة لـ«العروبة» أنها تعلمت هذه الطريقة منذ طفولتها.

وتقول: «نحن ننتظر موسم الفاكهة، ليس فقط لنأكلها طازجة، وإنما لنحفظ منها شيئاً لأيام الشتاء، كانت أمهاتنا وجداتنا يفعلن ذلك، ونحن تعلمناه منهن».

تبدأ عملية التجفيف باختيار الثمار السليمة والناضجة، ثم غسلها وتنظيفها، إذ يُشق المشمش إلى نصفين وتُزال نواته، ويُقطع التفاح والدراق إلى شرائح، بينما يُترك التين كاملاً أحياناً، بحسب الطريقة المتبعة في كل أسرة.

تُرتب الأمهات الثمار بعد تجهيزها على الصواني، وتوضع في أماكن معرضة للشمس والهواء، فيما تحتاج العملية إلى عدة أيام من المتابعة والتقليب حتى تفقد الثمار رطوبتها تدريجياً.

وتوضح أم عادل: «من المهم أن تكون الثمرة جيدة ونظيفة، وأن نختار لها يوماً مشمساً وجافاً، نضعها في مكان تصله الشمس والهواء، ونقلبها من وقت إلى آخر حتى تجف بشكل جيد».

في حين تتحول الثمار مع انخفاض نسبة الماء فيها وتراجع حجمها من محصول موسمي سريع التلف إلى مؤونة أكثر ملاءمة للحفظ، يمكن للأسرة الاستفادة منها خلال أشهر الشتاء.

حفظ الفاكهة وتقليل الهدر

وشرح المهندس الزراعي أكثم المصطفى لـ«العروبة»، أن التجفيف يعد من الطرق التقليدية التي تساعد على إطالة فترة حفظ الفاكهة، لأن خفض محتواها من الماء يحد من الظروف التي تساعد على تلفها، مشيراً إلى أهمية جودة الثمار قبل التجفيف ونظافة أدوات التحضير وظروف التخزين.

وأضاف أن الفواكه المجففة تحتفظ بجزء من قيمتها الغذائية، مثل الألياف وبعض المعادن والمركبات النباتية، إلا أن إزالة الماء تجعل العناصر الغذائية والسكريات أكثر تركيزاً في كمية أصغر مقارنة بالفاكهة الطازجة، لذلك يفضل تناولها باعتدال واختيار ما جرى تجفيفه وتخزينه بطريقة سليمة.

وبيّن المصطفى أن أهمية التجفيف لا تقتصر على حفظ الطعام، إذ يتيح الاستفادة من فائض الإنتاج، ولا سيما في المواسم التي تتجاوز فيها كميات المحصول قدرة الأسرة على استهلاكه طازجاً.

وأشار إلى أن هذه الطريقة تسهم في تقليل الهدر وتحويل جزء من الثمار إلى مؤونة يمكن استخدامها لاحقاً، أو بيعها عند توافر كميات مناسبة.

من المشمش إلى قمر الدين

وتستفيد الأسر في ريف حمص من الفاكهة بأشكال متعددة لا تتوقف عند تجفيفها، إذ يدخل المشمش في إعداد قمر الدين، ويُحتفظ بالتين المجفف لاستخدامه في تحضيرات وأطعمة مختلفة، بينما تُخزن أنواع أخرى من الفاكهة المجففة لاستهلاكها خلال الشتاء.

تحمل هذه الممارسات، إلى جانب دورها في حفظ الطعام، حكايات عائلية أقدم، إذ يعيد موسم التجفيف أم عادل إلى طفولتها، عندما كانت تشارك والدتها وأفراد أسرتها في إعداد مؤونة البيت.

وتتذكر قائلة: «كنت صغيرة وأساعد أمي في نشر الفاكهة على الصواني، كنا نعمل جميعاً، الأم والبنات والأولاد، كان موسم التجفيف مناسبة تجتمع فيها العائلة، وكل شخص يعرف ما عليه أن يفعله».

وتضيف: «من اختيار الثمار وغسلها وتجهيزها، إلى نشرها وتقليبها ثم جمعها بعد اكتمال جفافها، كان لكل فرد دوره»، فيما تحولت هذه المهارة مع تكرار العملية كل عام إلى معرفة منزلية تنتقل من جيل إلى آخر بالمشاركة والمشاهدة.

 

الشمس ما تزال حاضرة

وتبقى الطريقة التقليدية حاضرة في عدد من المنازل الريفية رغم دخول وسائل حديثة، مثل الأفران والمجففات الكهربائية، إذ لا يحتاج التجفيف تحت الشمس إلى معدات معقدة، وارتبط على مدى سنوات طويلة بنمط العمل العائلي خلال موسم الفاكهة.

وترى أم عادل أن قيمة هذه المؤونة لا تكمن في الطعام الذي توفره خلال الشتاء فحسب، وإنما في الذكريات التي تحملها معها.

وتقول: «الفاكهة المجففة لها طعم مختلف، وتشعرنا بطعم الصيف عندما يأتي الشتاء، عندما نفتح كيس التين أو المشمش المجفف بعد أشهر، نتذكر موسم القطاف والتعب الذي بذلناه».

وتُجمع الثمار مع انتهاء أيام التجفيف وتُحفظ في أماكن جافة ونظيفة، فيما تبقى معها ذكريات أيام القطاف والعمل ومشاركة أفراد العائلة، وخبرة تعلمتها الأمهات من أمهاتهن.

تلخص أم عادل علاقتها بهذه المؤونة بالقول: «الفواكه المجففة بالنسبة لنا ليست مجرد طعام، هي تعبنا، وذكرياتنا، وطريقة تعلمناها من أمهاتنا حتى تبقى خيرات الأرض موجودة معنا طوال السنة».

وتستمر هذه العادة مع تعاقب المواسم في عدد من قرى ريف حمص، وإن تغيرت الأدوات وبعض طرق التحضير، فالثمرة التي تبدأ موسمها على الشجرة تنتقل إلى الصواني تحت الشمس، ثم إلى أماكن التخزين، قبل أن تعود إلى موائد الأسر في الشتاء حاملة معها شيئاً من محصول مضى وذاكرة موسم لا تغيب.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع