مقال: أحمد نور الرسلان
لا تبدو مشاركة الرئيس أحمد الشرع في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً منفصلاً عن التحولات التي شهدتها سوريا خلال العامين الأخيرين، فالمشهد في نيويورك يحمل دلالة سياسية تتجاوز دقائق الخطاب وما سيقال على المنبر، إلى السؤال الأكبر المتعلق بالمكان الذي باتت سوريا تحاول أن تشغله في علاقاتها مع العالم.
يكتسب المشهد رمزيته أيضاً من المسار السياسي للرئيس الشرع نفسه، ومن انتقاله خلال سنوات الصراع السوري إلى رئاسة الدولة وتمثيل سوريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأمر الذي يجعل ظهوره على المنبر قابلاً للقراءة بوصفه انعكاساً لحجم التحول الذي أصاب المشهد السوري، بصرف النظر عن التقييمات السياسية المختلفة لهذا التحول.
ولا يقف الأمر عند رمزية الشخص والمنبر، فالأهم بالنسبة إلى السوريين هو ما يمكن أن يحمله هذا الحضور من نتائج سياسية واقتصادية وإنسانية، وما إذا كانت استعادة قنوات التواصل الدولية ستتحول إلى فرص تساعد البلاد في ملفات التعافي والاستثمار وإعادة الإعمار وعودة السوريين.
عامان بين خطابين
لم تكن نيويورك محطة جديدة بالكامل بالنسبة إلى الرئيس أحمد الشرع، إذ ألقى كلمة سوريا أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة في 24 أيلول 2025، ويعود هذا العام للمشاركة في الدورة الحادية والثمانين على رأس وفد رسمي يضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ووزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح وعدداً من المسؤولين.
لكن المسافة بين الخطابين لا تقاس بعام واحد فقط، بل بما حدث خلاله من اتصالات وتحركات دبلوماسية، وبمحاولة دمشق إعادة بناء شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية وتقديم تصور مختلف لدورها في المنطقة.
ومن هنا، تصبح الكلمة المرتقبة جزءاً من مسار أوسع، وليست مجرد خطاب بروتوكولي في مناسبة دولية سنوية، إذ ينتظر أن تقدم أمام ممثلي الدول الأعضاء تصور دمشق لأولوياتها وموقعها من الملفات التي تواجه سوريا والمنطقة.
الدبلوماسية.. إعادة بناء العلاقات
يصعب فصل حضور الرئيس في الأمم المتحدة عن التحول الذي طرأ على عمل الخارجية السورية منذ تكليف أسعد حسن الشيباني بحقيبة وزارة الخارجية في 21 كانون الأول 2024، وهي نقطة زمنية بدأت بعدها مرحلة من النشاط الدبلوماسي السوري في اتجاه عدد من العواصم والمنظمات الدولية.
وواجه هذا المسار منذ بدايته إرثاً من العزلة والقطيعة والعقوبات وتعقيدات العلاقات الإقليمية والدولية، ولذلك لم يكن التحدي مقتصراً على إعادة فتح قنوات الاتصال، بل امتد إلى محاولة إعادة تعريف علاقة الدولة السورية بمحيطها والعالم.
وانطلقت الرؤية الرسمية السورية من خطاب يقوم على الشراكة والانفتاح، وتقديم استقرار سوريا باعتباره مرتبطاً باستقرار المنطقة، في مقابل الصورة التي ارتبطت بالبلاد خلال العقود السابقة من الأزمات والصراعات والعزلة.
ولذلك يمكن النظر إلى الوصول مجدداً إلى الجمعية العامة بوصفه إحدى محطات هذا المسار، لكنه ليس نهاية الطريق، لأن القيمة السياسية لأي انفتاح دبلوماسي تقاس في النهاية بما ينتج عنه من علاقات مستقرة ومصالح ملموسة للدولة والمجتمع.
الجالية تدخل المشهد
ويمنح لقاء الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني بأبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة الزيارة بعداً آخر، لأن النقاش خرج من حدود السياسة الخارجية إلى ملفات يعيش السوريون آثارها بصورة مباشرة.
وحملت الأسئلة التي طرحها المشاركون قضايا الصحة النفسية والتعليم والإعلام والاقتصاد والعلاقة مع دول الجوار، إلى جانب ملفات سياسية واجتماعية، لتبدو نيويورك في تلك الجلسة أقرب إلى مساحة نقاش سورية منها إلى محطة دبلوماسية بعيدة عن الداخل.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بسبب ما راكمه السوريون في الخارج من خبرات أكاديمية ومهنية واقتصادية خلال سنوات الاغتراب، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول قدرتهم على المشاركة في إعادة بناء البلاد ونقل المعرفة وجذب الاستثمار.
ولا يكفي في هذا السياق الاحتفاء بالجاليات أو دعوتها إلى العودة، إذ يرتبط تحويل إمكاناتها إلى قيمة مضافة بوجود بيئة قانونية واقتصادية ومؤسساتية تمنح السوري في الخارج أسباباً عملية للمشاركة والاستثمار والعودة.
المنبر ليس غاية
وتكمن أهمية منبر الأمم المتحدة في أنه يمنح الدول مساحة لعرض رؤيتها أمام العالم، لكنه لا يصنع وحده التحولات السياسية والاقتصادية، فالخطابات تكتسب وزنها الحقيقي عندما تقترن بسياسات يمكن قياس نتائجها.
ولهذا ستكون الرسائل التي يحملها خطاب الرئيس الشرع مهمة، لكن الأهم هو ما يأتي بعدها، وكيف ستتعامل الدبلوماسية السورية مع الملفات التي تحتاج إلى عمل طويل، من العلاقات الدولية إلى الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والاستقرار الداخلي.
ويختصر المشهد في نيويورك، بهذا المعنى، مفارقة سورية لافتة، فمن جهة هناك رئيس يقف باسم الدولة أمام الجمعية العامة، ومن جهة أخرى هناك سوريون يعيشون في المهجر يحملون إلى الرئيس أسئلة الداخل وهمومه، وبين المشهدين تتحدد واحدة من أبرز مهام المرحلة المقبلة: تحويل الحضور السياسي الخارجي إلى أثر يلمسه السوري في حياته.
ويبقى صعود الرئيس أحمد الشرع إلى منبر الأمم المتحدة حدثاً ذا دلالة في قراءة التحول الذي شهدته سوريا، لكن التاريخ لن يقيس هذه المرحلة بصورة المنبر وحدها، بل بما ستتمكن الدولة من بنائه بعده، وبقدرتها على تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى علاقات مستقرة، وفرص اقتصادية، ومؤسسات أكثر فاعلية، ومستقبل يستطيع السوريون في الداخل والخارج أن يجدوا لأنفسهم مكاناً فيه.