العروبة – خاص
يشكّل الدواء أحد أكثر الملفات ارتباطاً بحياة المواطنين واحتياجاتهم اليومية، لما يمثله توافر العلاج وإمكانية الحصول عليه من عنصر أساسي في منظومة الرعاية الصحية، وفي ظل المتغيرات التي يشهدها سوق الدواء بين توافر الأصناف وتعدد البدائل وتفاوت الأسعار، تسلط «العروبة» الضوء على واقع هذا الملف في حمص، من خلال شهادات المواطنين والصيادلة، لرصد أبرز التحديات التي تواجه المرضى في الحصول على أدويتهم والاستمرار في علاجهم.
فمع تحسّن توافر أصناف دوائية عدة ودخول بدائل جديدة إلى السوق، ولا سيما لأمراض الضغط والسكري والقلب، برز ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بوصفهما تحدياً جديداً أمام المرضى في حمص، إذ تغيّر السؤال الذي يردده مرضى كثيرون في الصيدليات من «أين نجد الدواء؟» إلى «هل نستطيع شراءه؟».
وكشفت جولة لـ«العروبة» على عدد من الصيدليات، استمعت خلالها إلى مواطنين وصيادلة، عن تحوّل في طبيعة المشكلة، إذ أصبح الوصول إلى عدد من الأدوية أسهل مقارنة بفترات سابقة، لكن القدرة على تحمّل كلفة العلاج، وخصوصاً عندما يكون شهرياً ومستمراً، باتت في صدارة مخاوف المرضى.
من البحث عن الدواء إلى تأمين ثمنه
قال المواطن (غ. ع) لـ«العروبة» إن المشكلة لم تعد دائماً في العثور على الدواء، وإنما في القدرة على دفع ثمنه بانتظام، موضحاً أن المريض الذي يحتاج إلى أكثر من دواء شهرياً يجد نفسه أمام كلفة متراكمة، ولا سيما عندما يرتبط العلاج بمرض مزمن لا يمكن التوقف عن أدويته.
وأشارت (س. م)، في حديثها لـ«العروبة»، إلى أن تعدد البدائل أتاح في بعض الحالات خيارات أقل كلفة، لكنها لفتت إلى أن مرضى ما زالوا يفضلون الأدوية التي اعتادوا استخدامها، لاعتقادهم بأن اختلاف الشركة المنتجة قد يؤثر في فعالية العلاج.
ورأت أن توضيح طبيعة البدائل الدوائية، ولا سيما التي تحتوي على المادة الفعالة نفسها، يمكن أن يساعد المرضى على اتخاذ خيارات أكثر اطمئناناً، ويخفف في الوقت ذاته من أثر ارتفاع كلفة العلاج.
وصفة تتجدد كلفتها كل شهر
تصدرت أدوية الأمراض المزمنة حركة الطلب داخل الصيدليات، وفق الصيادلة الذين تحدثت إليهم «العروبة»، وفي مقدمتها أدوية الضغط والسكري والقلب، إلى جانب أدوية الأمراض العصبية والمسكنات.
وتزداد حساسية ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى هذه الفئة من المرضى، لأن الحاجة إلى الدواء لا ترتبط بعارض صحي مؤقت أو وصفة تنتهي بعد أيام، وإنما بعلاج يومي ومستمر، ما يجعل كلفته عبئاً يتجدد مع كل شهر.
بدائل أكثر في الصيدليات
أكدت الصيدلانية نهى لـ«العروبة» أن توافر معظم أصناف الأدوية أصبح أفضل، بالتزامن مع دخول شركات ومعامل جديدة إلى السوق، ما أسهم، بحسبها، في توسيع الخيارات وتوفير أصناف كانت تعاني سابقاً من النقص أو الانقطاع.
وأوضحت أن تعدد الشركات المنتجة أتاح، في حالات عديدة، الانتقال إلى بديل يحتوي على المادة الفعالة نفسها عند عدم توافر الصنف المطلوب، مشيرة إلى أن أدوية الأمراض المزمنة والعصبية والمسكنات تستحوذ على جانب كبير من الطلب.
ولفتت نهى إلى أن توافر البدائل لا يعني بالضرورة قبول جميع المرضى بها، إذ يفضل بعضهم الاستمرار باستخدام الدواء الذي اعتادوا عليه حتى عندما يكون سعره أعلى، ما يجعل دور الطبيب والصيدلي مهماً في شرح البدائل وطمأنة المريض إليها.
الدواء الوطني أمام معادلة السعر
قال الصيدلاني عزت إن الدواء الوطني يشكل خياراً أكثر ملاءمة لأصحاب الدخل المحدود، مقارنة ببعض الأدوية التركية والأوروبية المستوردة ذات الأسعار المرتفعة.
وأشار لـ«العروبة» إلى أن الإمكانات المادية للمريض تؤدي دوراً أساسياً في تحديد اختياره، إذ يفضل بعض المرضى الدواء المستورد عندما تسمح قدرتهم المالية، في حين يتجه آخرون إلى البدائل الوطنية بسبب فارق السعر.
ويضع ذلك المريض أمام معادلة لا ترتبط بتوافر المادة الفعالة وحدها، وإنما بكلفة الاستمرار في شراء العلاج على المدى الطويل، ولا سيما بالنسبة إلى من يعتمدون على أكثر من دواء بصورة دائمة.
أدوية السرطان.. حسابات مختلفة
بدت الصورة أكثر تعقيداً عند الانتقال من الأدوية الشائعة والمزمنة إلى علاجات السرطان، إذ أشارت الصيدلانية فاتن، إلى أن بعض الأدوية المستوردة أصبحت متوافرة، فيما يمكن تأمين أصناف أخرى عن طريق الصيدلية المركزية التابعة للجهات الصحية، بينما ما تزال بعض العلاجات صعبة التأمين أو مرتفعة الثمن.
وبيّنت فاتن أن خصوصية أدوية السرطان ترتبط بخضوع المرضى لبروتوكولات علاجية محددة، الأمر الذي يجعل استمرارية الحصول على الصنف المناسب أكثر حساسية من مجرد البحث عن بديل متوافر في السوق.
وأكدت لـ«العروبة» أن مريض السرطان يواجه عبئاً مختلفاً، لأن العلاج لا يمكن التعامل معه كدواء عادي يمكن تأجيل شرائه أو استبداله من تلقاء نفسه، مشيرة إلى أن تأمين الجرعات في مواعيدها يمثل تحدياً مستمراً للمريض وأسرته.
وفرة لا تكتمل من دون القدرة على الشراء
يكشف واقع الصيدليات في حمص، وفق الشهادات التي جمعتها «العروبة»، عن معادلة جديدة لسوق الدواء، تتمثل في تحسن توافر عدد من الأصناف وتعدد البدائل من جهة، وارتفاع كلفة العلاج وتراجع القدرة على تحمّلها من جهة أخرى.
ويواجه مريض الأمراض المزمنة هذه المعادلة بصورة أكثر وضوحاً، لأن وجود الدواء على رف الصيدلية لا يحل المشكلة ما لم يكن قادراً على تأمين ثمنه بصورة منتظمة، فيما تصبح المسألة أكثر حساسية لدى مرضى السرطان مع ارتباط العلاج بمواعيد جرعات وبروتوكولات محددة.
وتوجهت «العروبة» إلى المكتب الإعلامي في مديرية صحة حمص، وطرحت مجموعة من الأسئلة المتعلقة بواقع الدواء والقضايا التي تناولها التقرير، إلا أنها لم تتلق رداً حتى موعد نشر المادة.
ويطرح هذا التحول معياراً أوسع لقياس واقع الدواء، فلا يقتصر الأمر على مدى توافر الأصناف في السوق، وإنما يشمل أيضاً قدرة المرضى على الوصول إليها والاستمرار في شرائها، ليبقى السؤال الذي سمعته «العروبة» خلال جولتها حاضراً: هل يكفي أن يكون الدواء متوافراً إذا كان ثمنه يفوق قدرة المريض؟