العروبة – خاص
استعاد الحاج مصطفى خالد علوان، البالغ من العمر 72 عاماً، مكتبته الخاصة في مدينة حمص، بعد أكثر من عقد على إخفائها خلف جدار داخل أحد منازل عائلته، خشية تعرضها للمصادرة أو الحرق أو الإتلاف خلال سنوات حكم (نظام الأسد البائد).
وأخفى علوان مكتبته قبيل مغادرته مدينة حمص عام 2011، بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية وتصاعد العمليات العسكرية في المدينة، ولا سيما في حي البياضة الذي كان يقيم فيه، إذ قرر حماية مئات الكتب والمصنفات التي جمعها على مدى سنوات طويلة.
ولجأ، بمساعدة عدد من أبناء الحي، إلى تغليف الكتب ووضعها في مكان داخل المنزل، قبل أن يبني أمامها جداراً يخفيها عن الأنظار، محتفظاً بأمل العودة إليها يوماً ما.
وقال الحاج مصطفى خالد علوان، في تصريح خاص لـ«العروبة»: «حاولت إخفاء المكتبة كي لا تتعرض للحرق أو التلف، فوجدت أن أضعها وأغلفها وأبني عليها جداراً، وأنا واثق أنني سأخرجها في يوم من الأيام، وقد تحقق ذلك بفضل الله».
مئات الكتب خلف الجدار
وتضم المكتبة مئات الكتب التي تتنوع موضوعاتها بين العلوم الشرعية والتاريخ والثقافة والشعر والقضايا الاجتماعية، وبينها مؤلفات لعدد من المفكرين والكتاب الإسلاميين، في مقدمتهم حسن البنا وسيد قطب، إلى جانب كتب أخرى اقتناها علوان على مدى سنوات.
واستذكر علوان علاقته بمكتبته قائلاً: «هذه المكتبة غالية جداً علي، فقد جمعتها منذ زمن، كتاباً بعد كتاب»، معرباً عن سعادته باستعادتها بعد سنوات طويلة من إخفائها، ولا سيما أن أكثر من 90% من محتوياتها بقيت بحالة جيدة رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنزل.
وغادر علوان مدينة حمص في نهاية عام 2011، بعدما شهد حي البياضة خلال سنوات الثورة السورية قصفاً وعمليات عسكرية، تاركاً خلفه منزله ومكتبته المخفية، من دون أن يعرف ما إذا كان سيتمكن من الوصول إليها مرة أخرى.
المنزل احترق.. والجدار بقي
عاد علوان إلى حمص عقب سقوط (نظام الأسد البائد) في كانون الأول 2024، ليجد المنزل متضرراً ومحترقاً من الداخل، فيما بقي الجدار الذي أخفى خلفه مكتبته قائماً.
وبدأ في الرابع والعشرين من الشهر الماضي هدم الجدار، ليجد الكتب ما تزال في مكانها بعد سنوات الغياب، قبل أن ينقلها إلى المنزل ويعيد ترتيبها للاستفادة منها مجدداً، معتبراً أن لحظة العثور عليها كانت واحدة من أجمل اللحظات في حياته.
رأى علوان أن ما استعاده يتجاوز القيمة المادية لمئات الكتب، قائلاً: «البناء والجمادات قد يعاد بناؤها، أما تدمير الفكر والعقيدة فهذا أمر خطير، والكتب حياة وهدي».
ذاكرة تتجاوز الكتب
وأشار إلى أن امتلاك بعض الكتب أو تداولها خلال حكم (نظام الأسد البائد) كان، وفق تجربته، محفوفاً بالمخاطر، مستذكراً مجزرة حماة بوصفها نقطة فاصلة بالنسبة إليه، وقال: «كنا نخاف من أن نتحدث عنها حتى مع أنفسنا».
وبين أن سقوط (نظام الأسد البائد) أتاح، بحسب رأيه، ظهور كتب ومؤلفات كان تداولها محظوراً أو صعباً بصورة علنية، من بينها كتب تتناول شهادات عن التعذيب في السجون السورية، وأخرى تبحث في التيارات الدينية والفكرية، معتبراً أن الحفاظ على الكتاب والفكر يمثل جزءاً من استعادة الحياة الثقافية في البلاد.
وتختصر قصة مكتبة علوان جانباً من السنوات التي عاشتها مدينة حمص خلال الثورة السورية وما رافقها من عمليات عسكرية وقصف ونزوح، ولا سيما في أحياء تعرضت لدمار واسع، بينها حي البياضة الذي كان يقيم فيه مع أسرته.
تحمل المكتبة بالنسبة إلى صاحبها قيمة تتجاوز كونها مجموعة من الكتب جمعها على مدى عقود، إذ ترتبط بذاكرته الشخصية وبمرحلة اضطر فيها إلى إخفائها خلف جدار لحمايتها، قبل أن يعود بعد سنوات ليهدم الجدار نفسه ويستعيد ما بقي محفوظاً خلفه.