لماذا يلجأ بعض الأشخاص إلى المخدرات؟.. معالج نفسي يوضح لـ«العروبة» عوامل الخطر وسبل الوقاية

تشكل المخدرات تحدياً متزايداً لما تتركه من آثار صحية ونفسية واجتماعية تطال الفرد والأسرة والمجتمع، ولا سيما مع استهداف فئات الشباب والمراهقين بأساليب ترويج متعددة، وفي حمص تتواصل حملات مكافحة المخدرات من خلال ملاحقة شبكات التهريب والترويج وضبط المواد المخدرة، بالتوازي مع جهود التوعية والوقاية التي تستهدف الحد من انتشار التعاطي وتعزيز الوعي بمخاطره.

العروبة – خاص

أوضح المعالج النفسي مصطفى مخزوم، الحاصل على درجة الماجستير في علم النفس، أن تعاطي المخدرات لا يرتبط بسبب نفسي واحد، وإنما ينتج غالباً عن تفاعل مجموعة من العوامل الفردية والنفسية والأسرية والاجتماعية والبيئية.

وبيّن مخزوم في تصريح لـ«العروبة» أن بعض حالات التعاطي قد تبدأ باستخدام أدوية أو عقاقير لتخفيف الألم الجسدي، ثم تتطور مع تكرار الاستخدام إلى الاعتماد، فيما قد يلجأ بعض الأشخاص إلى المواد المخدرة في محاولة للتخفيف من الحزن والقلق والخوف وآثار التجارب الصادمة ومشاعر العجز واليأس.

وأشار إلى أن المادة المخدرة قد تمنح في البداية شعوراً مؤقتاً بالراحة أو الانفصال عن المشاعر المؤلمة، إلا أن هذا الشعور لا يعالج مصدر المعاناة، وقد يقود إلى تكرار التعاطي ثم الاعتماد، وظهور مشكلات نفسية وصحية واجتماعية إضافية.

وأضاف أن الضغوط المستمرة، ومنها البطالة والفشل الدراسي والمشكلات الاقتصادية والنزاعات الأسرية وفقدان شخص عزيز، قد تزيد قابلية بعض الأشخاص للتعاطي، ولا سيما مع ضعف مهارات التكيف والتنظيم الانفعالي وغياب الدعم الأسري والاجتماعي.

آثار الحرب والصدمات النفسية

وأوضح مخزوم أن المجتمعات التي مرت بالحروب والنزاعات قد تواجه تحديات إضافية نتيجة التعرض لتجارب قاسية، من بينها فقدان أفراد الأسرة والنزوح والعنف والاعتقال والإصابة ومشاهدة الموت والدمار.

وأكد أن التعرض للصدمة لا يعني بالضرورة لجوء الشخص إلى المخدرات، إلا أن بعض الأشخاص قد يحاولون استخدامها للتخفيف من القلق واضطرابات النوم والخوف والحزن، ما قد يحول التعاطي إلى وسيلة غير فعالة للتعامل مع آثار الصدمة، وقد يتطور في بعض الحالات إلى اضطراب في التحكم بالاستخدام.

ولفت إلى أن «التحمل الدوائي» قد يؤدي، مع استمرار الاستخدام، إلى حاجة الشخص إلى جرعات أكبر للحصول على التأثير ذاته، مشيراً إلى أن ذلك يستدعي تقييماً طبياً ونفسياً، ولا سيما عندما يترافق مع فقدان السيطرة على الاستخدام أو ظهور أضرار واضحة في الحياة اليومية.

الأسرة والرفاق.. بين الخطر والحماية

وأشار مخزوم إلى أن البيئة الاجتماعية تؤدي دوراً مهماً في سلوك التعاطي، إذ قد يزيد وجود أشخاص يتعاطون المخدرات ضمن دائرة الأصدقاء من احتمالات تجربة المواد، خاصة لدى المراهقين والشباب الباحثين عن القبول والانتماء.

وأوضح، في المقابل، أن الأسرة الداعمة والرفاق الإيجابيين يمكن أن يشكلوا عوامل حماية، من خلال توفير الدعم النفسي والتوجيه، وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار ورفض السلوكيات الخطرة.

وأكد أن اضطراب تعاطي المواد قد ينعكس على الحالة النفسية والسلوك والعلاقات الاجتماعية، من خلال تقلبات المزاج واضطرابات النوم وتراجع الاهتمام بالدراسة أو العمل ومشكلات التركيز واتخاذ القرار، فضلاً عن الخلافات الأسرية وفقدان الثقة والمشكلات المالية والاجتماعية.

وشدد على ضرورة عدم اختزال الشخص في سلوكه الإدماني، موضحاً أن الوصمة والإهانة قد تزيدان من عزلته وتقللان من احتمالية طلبه للمساعدة.

كيف تتعامل الأسرة؟

ودعا مخزوم الأسرة إلى الجمع بين التعاطف ووضع حدود واضحة في التعامل مع الشخص، موضحاً أن دعمه لا يعني تبرير التعاطي أو توفير الظروف التي تساعد على استمراره، كما أن وضع الحدود لا يعني اللجوء إلى الإهانة أو الطرد أو العنف.

ولفت إلى أهمية اعتماد الحوار الهادئ الذي يركز على صحة الشخص وسلامته، وتشجيعه على طلب المساعدة المتخصصة من الطبيب أو الأخصائي النفسي وخدمات علاج اضطرابات تعاطي المواد، بالتوازي مع معالجة المشكلات النفسية المصاحبة عند وجودها.

وشدد على ضرورة حماية أفراد الأسرة من العنف أو السلوكيات الخطرة، ووضع حدود واضحة تتعلق بالمال والعنف واستخدام المخدرات داخل المنزل والمسؤوليات الأسرية.

الوقاية تبدأ قبل التعاطي

تتطلب مواجهة مشكلة المخدرات، بحسب مخزوم، الانتقال من التعامل مع الإدمان بعد وقوعه إلى تعزيز الوقاية قبل الوصول إليه، من خلال تنمية مهارات التكيف والتنظيم الانفعالي وحل المشكلات والتواصل الأسري والقدرة على طلب المساعدة، إلى جانب توفير بيئات مدرسية واجتماعية آمنة.

وتكتسب خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي أهمية إضافية في المجتمعات التي تعرضت للحروب والكوارث، إذ يمكن أن تسهم معالجة آثار الصدمات والضغوط المزمنة في الحد من اللجوء إلى أساليب تكيف غير صحية، ومنها استخدام المواد المخدرة.

المزيد...
آخر الأخبار