بين الحجر الأسود والأبيض.. قصر جوليا دومنا يروي وجهاً من تاريخ حمص

العروبة – خاص

 

يحتفظ قصر جوليا دومنا، في حي بستان الديوان بحمص القديمة قرب كنيسة أم الزنار الأثرية، بملامح من تاريخ المدينة وعمارتها، ويبرز معلماً تراثياً وسياحياً تتجاور فيه تفاصيل البيت الحمصي مع طبقات تاريخية أقدم.

 

يوضح خالد الفرج، عضو الجمعية التاريخية السورية، في تصريح لـ«العروبة»، أن القصر يتسع لأكثر من 600 شخص، ويقدم نموذجاً مميزاً للبيت الحمصي التاريخي، حيث تجتمع في بنائه الوظيفة والجمال.

 

وتظهر هذه السمات في العمارة الأبلقية للقصر، القائمة على التناوب بين الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض، وفي قناطره وأبوابه وفتحات نوافذه المزخرفة بالحجر الملون، فضلاً عن الحفر الخشبي الفني والسيباط والقاعات المشيدة بالعقود المقوسة.

 

لكن أهمية الموقع، وفق الفرج، تمتد إلى ما تحت الأرض، حيث تقع أقدم بقعة فيه، وتضم جدراناً ونقوشاً أثرية يُعتقد أنها تعود إلى العهدين الروماني والبيزنطي، وترتبط بالآثار المنتشرة في محيط كنيسة أم الزنار.

 

ويبيّن الفرج أن «أرض الديار» تشغل قلب القصر، وهي فسحة سماوية واسعة تتوسطها بحرة، وتحيط بها قاعات ومجالس تضم أعمدة رخامية ونوافذ مزينة بالزجاج الملون، في تخطيط يجعل الفناء الداخلي مركزاً للحياة الاجتماعية والمعمارية، كما في البيوت الحمصية التقليدية.

 

من حمص إلى قلب الإمبراطورية الرومانية

 

يحمل القصر اسم جوليا دومنا تكريماً للإمبراطورة الرومانية ذات الجذور الحمصية، التي ارتبط حضورها بمرحلة مهمة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية، وفق ما يشير إليه الفرج.

 

ويرجّح الفرج أن جوليا دومنا وُلدت في حمص عام 166 أو 170 للميلاد، لعائلة من أعيان المدينة توارثت كهنوت عبادة الإله إل جبل، وكان والدها جوليوس باسيان الكاهن الأعظم لهذه العبادة في حمص.

 

وتزوجت عام 187م القائد سبتيميوس سيفيروس، الذي أصبح لاحقاً إمبراطوراً رومانياً، وأنجبت ابنها الأول كركلا عام 188م في مدينة ليون، ثم ابنها الثاني غيتا عام 189م في روما.

 

ومع وصول سبتيميوس سيفيروس إلى السلطة عام 193م، حصلت جوليا دومنا على لقب «أوغستا»، واتسع حضورها السياسي داخل الإمبراطورية، كما رافقت زوجها في حملاته بالشرق وحملت لقب «أم المعسكر»، تعبيراً عن مكانتها في البلاط الإمبراطوري.

 

ويشير الفرج إلى أن دورها في إدارة شؤون الحكم إلى جانب زوجها ازداد بعد وفاة عدد من الشخصيات التي حاولت الحد من نفوذها، حتى غدت من أبرز النساء تأثيراً في الحياة السياسية للإمبراطورية الرومانية خلال تلك المرحلة.

 

وفي سنواتها الأخيرة، ارتبطت حياة جوليا دومنا بصراع شديد بين ابنيها كركلا وغيتا، اللذين كان يُفترض أن يتشاركا الحكم بعد وفاة والدهما، ويذكر الفرج أنها توفيت في أنطاكية عام 217م، بعد عقود حملت خلالها اسم حمص إلى قلب التاريخ الروماني.

 

ويظل القصر، بما يحفظه من ملامح معمارية وما يحمله من اسم، مساحة تلتقي فيها ذاكرة حمص القديمة بحكاية الإمبراطورية، فيما يروي تناوب الحجر الأسود والأبيض جانباً من تاريخ مدينة تصل حاضرها بماضيها.

المزيد...
آخر الأخبار