مقال: إيمان زرزور
أعاد تخرّج الدفعة الأولى من معهد الشرطة النسائية إلى الواجهة سؤالاً رافق السوريين طوال سنوات الثورة: كيف تنعكس تضحيات النساء ومشاركتهن في بناء الدولة الجديدة؟ حملت صور الخريجات جواباً أولياً، وفتحت في الوقت نفسه باباً للحديث عن الفرص التي تستحقها المرأة السورية داخل المؤسسات العامة.
عرفت سنوات الثورة نساءً عملن في الإغاثة والتعليم والتوثيق ورعاية المصابين، ونساءً فقدن أحباءهن أو عشن النزوح والاعتقال، ثم واصلن تحمل مسؤوليات أسرهن ومجتمعاتهن. لم ينتظرن ظروفاً مثالية كي يشاركن في الحياة العامة؛ صنعن أدوارهن تحت ضغط الحاجة، وحافظن على حضورهن رغم الخوف والتعب وضيق الخيارات.
لهذا يلامس تخرّج الشرطيات ذاكرة أوسع من ساحة الاحتفال. قد ترى فيه أمّ أمضت سنوات تحمي أبناءها فرصةً لابنتها كي تختار مستقبلها، وقد ترى فيه ناشطةٌ رافقت بدايات الثورة امتداداً لطريق بدأته مع صديقاتها في ظروف قاسية. ولكل خريجة، وراء الزي الرسمي، قصة جهد وتعلّم وقرار بالمضي في مهنة تتطلب الانضباط والشجاعة.
وتكتسب مشاركتهن في العمل الشرطي أهمية خاصة، لأن العلاقة بين الناس والمؤسسة الأمنية تُبنى في التفاصيل اليومية: طريقة استقبال الشكوى، والإنصات إلى من يطلب الحماية، وصون كرامة الأشخاص في المواقف الصعبة. ويمكن للشرطيات أن يؤدين دوراً مهماً في التعامل مع قضايا النساء والأطفال، ضمن جهاز تُقاس كفاءة جميع أفراده باحترام القانون وحسن أداء الواجب.
وتحتاج هذه البداية إلى ما يضمن استمرارها؛ تدريب متواصل، ومسؤوليات واضحة، وفرص عادلة للتقدم وفق الكفاءة. فكل خريجة تنجح في عملها توسع الطريق أمام امرأة أخرى، وتساعد على ترسيخ حضور النساء في مؤسسات الدولة بوصفه ممارسة يومية يلمس الناس أثرها.
تمنح هذه الدفعة السوريين سبباً للفخر والأمل. نساء الثورة اللواتي شاركن في حماية الحياة خلال أقسى السنوات يشاركن اليوم في بناء مؤسسات البلاد. ومن حقهن أن يجدن فيها مكاناً يليق بقدراتهن، ومن حق سوريا أن تستفيد من خبرات جميع أبنائها وبناتها في صنع مستقبل أكثر أمناً وعدلاً.