العروبة – خاص
تفوح في صباحات الجمعة من بعض أحياء حمص رائحة الفول، معلنة بداية يوم يحمل معه عادة غذائية حافظت على حضورها رغم تغير أنماط الحياة وتبدل العادات، لتبقى جلسة الفوال واحدة من التفاصيل الشعبية التي تستعيد شيئاً من دفء العائلة وذكريات الصباحات القديمة.
وترتبط مهنة الفوال بذاكرة السوريين بوصفها واحدة من المهن الشعبية والتراثية التي ما تزال حاضرة حتى اليوم، سواء من خلال المحال القديمة التي حافظ أصحابها على مهنتهم، أو عربات الفول المتنقلة التي اتخذ منها أصحابها مصدر رزق يجوبون به الأحياء والشوارع.
فطور بسيط.. حاضر على المائدة
يحافظ طبق الفول أو الحمص على حضوره على مائدة الفطور يوم الجمعة لدى كثير من المواطنين، حيث تجتمع الأسرة حول وجبة بسيطة ومشبعة، فيما يفضل آخرون تناولها خارج المنزل، في جلسة تجمع الأصدقاء أو أفراد العائلة حول أطباق الفول والحمص وأكواب الشاي.
ويقول المواطن رامي شلبي لـ«العروبة»: «تناول طبق الفول بالنسبة لي ولعائلتي عادة قديمة، اعتدنا أن نبدأ صباح يوم الجمعة به، وخصوصاً عندما يكون محضراً بطريقة جيدة من المحال التي بات لأصحابها خبرة كبيرة في هذا المجال، ويقدم ساخناً مع الزيت والليمون»، مشيراً إلى أن تناول الفطور عند الفوال يحمل أحياناً ذكريات مرتبطة بالطفولة والعائلة.
ويرى المواطن مالك الجرايحي أن جلسة الفوال تختلف عن وجبة الفطور في المنزل، موضحاً: «أحياناً نأتي مع الأصدقاء في الصباح، وليس من الضروري أن يكون يوم الجمعة، نطلب الفول والحمص ونشرب الشاي، والجميل أن الجلسة بسيطة وقريبة من الناس».
ويقول منذر سلوم لـ«العروبة»: «دائماً نتناول الفول في المنزل، لكن الجلسة عند الفوال لها طعم آخر»، معتبراً أن بساطة المكان جزء من جماله، ولا سيما عندما تترافق الجلسة مع أغانٍ قديمة وأجواء هادئة.
عربة الفول.. رزق متنقل وذاكرة شعبية
لا يقتصر حضور المهنة على المحال، إذ تنتشر عربات صغيرة يبيع أصحابها الفول والحمص، فمنهم من يتنقل بها بين المناطق، ومنهم من يختار موقعاً ثابتاً ويهيئ حولها عدداً من الكراسي والطاولات لاستقبال الزبائن.
ويقول أحد أصحاب العربات من حي القصور لـ«العروبة» إن العربة تمثل مصدر رزقه اليومي، موضحاً أن العمل يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى، فيما يزداد الإقبال خلال أيام العطل، لافتاً إلى أن الزبون يبحث عن الطعم الشعبي والسعر المقبول وسرعة تقديم الوجبة.
يضيف بائع آخر من حي الخالدية لـ«العروبة» أن اختيار المكان المناسب للعربة يؤدي دوراً في نجاح العمل، ولا سيما بالقرب من الأسواق ومواقف النقل والمناطق التي تشهد حركة صباحية، مؤكداً أن المهنة تحتاج إلى جهد يومي طويل، يبدأ من تحضير المواد ويمتد إلى تنظيف العربة وتجهيزها في نهاية اليوم.
ولا يكتفي بعض أصحاب العربات بتقديم الوجبة، بل يعملون على خلق أجواء شعبية خاصة حولها، من خلال وضع عدد من الطاولات والكراسي وتشغيل أغانٍ هادئة من «الزمن الجميل»، لتتحول العربة من مجرد نقطة لشراء طبق من الفول مع الليمون والكمون إلى مساحة صغيرة للجلوس وتبادل الأحاديث.
أصحاب المحال.. المهنة باقية رغم تغير الزمن
يحافظ أصحاب محال الفول والحمص على حضور المهنة بشكلها التقليدي، مؤكدين أن إعداد الفول يحتاج إلى خبرة في اختيار الحبوب وطريقة الطهي والتتبيل، فيما تبقى جودة الطبق عاملاً أساسياً في حفاظ المحال على زبائنها.
ويشير أحد أصحاب المحال في حي كرم الشامي لـ«العروبة» إلى أن المهنة انتقلت في بعض العائلات من جيل إلى آخر، وأن ارتباط الناس بالفول لا يتوقف عند كونه وجبة غذائية، بل يمتد إلى عادة اجتماعية اعتاد عليها كثيرون منذ سنوات طويلة.
ويضيف صاحب محل آخر أن الزبائن لم يعودوا من كبار السن فقط كما قد يعتقد البعض، إذ يقبل الشباب أيضاً على تناول الفول، سواء كوجبة سريعة قبل العمل أو لقضاء بعض الوقت مع الأصدقاء.
جلسة تحمل شيئاً من الماضي
يمتد ما يميز هذه المهنة اليوم إلى أبعد من طبق الفول نفسه، ليشمل المشهد الذي يحيط به، من طاولات صغيرة وكراسٍ متواضعة وصحن فول ساخن وبعض المقبلات وكوب الشاي، وصولاً إلى أحاديث الصباح التي تمتد أحياناً إلى ما بعد انتهاء الوجبة.
وتحتفظ أكلة الفول بمكانتها بين الأكلات الشعبية المفضلة لدى أهالي حمص، وبين عربة تتنقل بحثاً عن الزبائن، ومحل قديم يحافظ على وصفته، وطاولات صغيرة تستقبل رواد الصباح، تبقى وجبة الفول أكثر من مجرد فطور، فهي مشهد شعبي يحمل شيئاً من ذاكرة المدينة ودفء أيامها البسيطة، ويمنح صباحاتها نكهة ما تزال حاضرة رغم تغير الزمن.