قصة شهيد: «إذا رأيتم الدبابات تدخل الرستن فاعلموا أني قد استشهدت».. حكاية الملازم أول أحمد الخلف

العروبة – خاص
اتخذ الملازم أول أحمد مصطفى الخلف قراره مبكراً بالانشقاق عن جيش النظام البائد، بعد أن دفعته مشاهد الانتهاكات بحق المدنيين، وفق رواية أسرته، إلى مغادرة المؤسسة العسكرية والانحياز إلى الثورة السورية، قبل أن يعود إلى مدينته الرستن ويشارك في الدفاع عنها حتى استشهاده في 28 أيلول 2011.

وبعد نحو خمسة عشر عاماً، تستعيد «العروبة» مع شقيقه محمد مصطفى الخلف فصولاً من حياته، منذ طفولته ودخوله المؤسسة العسكرية، مروراً بقرار الانشقاق والعودة إلى الرستن، وصولاً إلى أيامه الأخيرة، من خلال شهادات وذكريات ورسائل ووثائق ما تزال عائلته تحتفظ بها حتى اليوم.

كان الملازم أول أحمد مصطفى الخلف واحداً من أوائل الضباط الذين انحازوا إلى المتظاهرين في بدايات الثورة السورية، وبقي اسم الخلف حاضراً في ذاكرة أسرته ورفاقه وأبناء مدينته، ولا سيما من خلال عبارته التي سبقت استشهاده: «إذا رأيتم الدبابات تدخل الرستن فاعلموا أني قد استشهدت».

من الرستن بدأت الحكاية

ولد أحمد الخلف في مدينة الرستن بريف حمص عام 1983، ونشأ فيها قبل أن يلتحق بالمؤسسة العسكرية عقب حصوله على شهادة الثانوية عام 2002.

وفي حديث خاص لـ«العروبة»، يستعيد شقيقه محمد مصطفى الخلف جانباً من طفولة أحمد وشخصيته، قائلاً إنه كان محباً للتعلم وقوي الشخصية وواضح الرأي، وعُرف بقربه من أسرته وعلاقته الجيدة بأصدقائه وزملائه.

ويصف محمد شقيقه بأنه كان «رجلاً حنوناً، ليّناً في التعامل، يحب أهل بيته، وودوداً لأصدقائه»، مشيراً إلى أن قدرته على تكوين علاقات جيدة مع من حوله كانت من السمات التي رافقته منذ طفولته.

ضابط في الجيش قبل الثورة

اختار أحمد بعد إنهائه المرحلة الثانوية الالتحاق بالجيش مدفوعاً، بحسب أسرته، بحبه للوطن، وتدرج في المؤسسة العسكرية حتى وصل إلى رتبة ملازم أول، كما شارك في تدريب عدد من الجنود.

ومع مرور السنوات، بدأت أحاديثه مع العائلة تتناول ما كان يراه من ظلم وممارسات تمييزية طائفية داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن تأخذ تلك الأحاديث منحى أكثر وضوحاً مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا خلال آذار 2011.

ويقول محمد إن شقيقه تلقى انطلاق الثورة السورية بفرح، وانحاز إلى المتظاهرين «قلباً وقالباً»، انطلاقاً من رفضه للظلم ورغبته في الوقوف إلى جانب المظلومين، مؤكداً أن موقفه بقي ثابتاً حتى اتخذ قرار الانشقاق.

درعا.. المحطة التي حسمت القرار

شكل إرسال أحمد إلى محافظة درعا محطة مفصلية في مسيرته، إذ يروي شقيقه أنه شاهد هناك عمليات قتل واعتداءات بحق المدنيين، بينها انتهاكات طالت النساء والأطفال، إلى جانب منع وصول المواد الغذائية إلى الأهالي، ويؤكد محمد أن ما شاهده أحمد خلال وجوده في درعا دفعه إلى اتخاذ قراره النهائي بالانشقاق عن جيش النظام البائد.

وقبل مغادرته سوريا، تحدث أحمد مع أفراد أسرته، ثم حصل على إجازة عسكرية بحجة مرض زوجته، وغادر باتجاه الأردن بمساعدة عدد من الأشخاص، حيث التحق بمجموعة من الضباط والجنود المنشقين، وبقي على تواصل مع عائلته عبر الإنترنت.

من أوائل الضباط المنشقين

كان أحمد من أوائل الضباط الذين أعلنوا انشقاقهم عن الجيش، وانضم إلى لواء الضباط الأحرار، وانتقد في بيان انشقاقه تحول دور المؤسسة العسكرية، قائلاً إن المؤسسة التي كانت توصف بأنها «حماة الديار» أصبحت «حماة بشار وقتلة النساء والأطفال»، داعياً الضباط إلى الوقوف إلى جانب الشعب السوري.

لكن بقاءه في الأردن لم يطل، إذ عاد إلى سوريا بعد نحو أسبوعين، واختار الرستن مكاناً لمواصلة طريقه، وبحسب شقيقه، ارتبط قرار العودة برغبته في حماية المدينة التي نشأ فيها والدفاع عن عائلته وأبناء بلدته، قبل أن ينضم إلى كتيبة خالد بن الوليد التي ضمت عدداً من الضباط المنشقين، ويتولى مهمة قيادة الكتيبة.

العودة إلى الرستن

شارك أحمد بعد عودته في المواجهات مع قوات النظام البائد، وكان يتحدث مع عائلته عن المعارك التي يخوضها، إلا أن إحدى أكثر المحطات التي بقيت حاضرة في ذاكرة أسرته ورفاقه كانت خلال حصار الرستن، عندما تولى مهمة حماية المدخل الشرقي للمدينة.

ويروي محمد لـ«العروبة» أن شقيقه كان في لقاء مع الرائد عبد الرحمن الشيخ علي، ودار الحديث حول حماية المدخل الشرقي للرستن وكيفية معرفة ما إذا كان أحمد لا يزال يقاوم في حال تقدمت الدبابات باتجاه المدينة، عندها قال عبارته التي ارتبطت باسمه لاحقاً: «إذا رأيتم الدبابات تدخل الرستن فاعلموا أني قد استشهدت».

وصية قبل المعركة الأخيرة
كان أحمد، بحسب شقيقه، يدرك حجم المخاطر التي تحيط به واحتمال مقتله في المواجهات، حتى إنه كتب وصيته قبل استشهاده، وتحتفظ العائلة بذكرى أخرى من أيامه الأخيرة، حين كان يحمل ابنته هدى على كتفيه ويردد أمامها: «على الجنة رايحين… شهداء بالملايين».

وفي 28 أيلول 2011، حاولت قوات النظام البائد اقتحام الرستن، فيما بقي أحمد في موقعه وواصل القتال من فوق سطح أحد المنازل، قبل أن تصيبه رصاصة قناص في منطقة الرقبة ويفارق الحياة متأثراً بإصابته.

جثمانه نُقل بعد دفنه

علمت العائلة باستشهاد أحمد من خلال اتصال هاتفي أجراه شقيق زوجته، في وقت لم يكن الوصول إلى جثمانه أو إقامة مراسم دفن طبيعية ممكناً بسبب الحصار المفروض على الرستن آنذاك.

وبحسب رواية الأسرة، دُفن أحمد في الشرعية داخل الرستن، قبل أن تقوم قوات النظام البائد بعد نحو ثلاثة أيام باستخراج جثمانه ونقله إلى المشفى العسكري في الوعر بمدينة حمص.

وكان أحد أقاربه، وهو من الجنود المنشقين، إلى جانبه خلال المواجهات الأخيرة، ونقل إلى العائلة، وفق شهادة محمد، تفاصيل عن ثباته وتمسكه بسلاحه ومواصلة القتال حتى اللحظات الأخيرة.
فراغ بقي داخل الأسرة

ترك رحيل أحمد، بحسب شقيقه، صدمة كبيرة وفراغاً داخل الأسرة، إذ لم يكن مجرد شقيق، وإنما كان سنداً ومصدراً دائماً للدعم والمساندة، ويصفه محمد بأنه كان من الرجال الصادقين في القول والفعل، مؤكداً أن وجوده بين أوائل الضباط الذين أعلنوا انشقاقهم شكل بالنسبة إلى العائلة مصدر فخر واعتزاز.

ولا تتوقف ذاكرة الأسرة عند مسيرته العسكرية أو لحظة استشهاده، إذ ما تزال تحتفظ بصوره ورسائله وتسجيلاته ووثائقه الشخصية والعسكرية، إلى جانب كتابات بخط يده تكشف جانباً آخر من شخصيته.

أوراق تروي جانباً آخر من حياته

تحتفظ العائلة بكتابات لأحمد تعود إلى عام 2007، تتضمن عبارات للدعاء والتضرع إلى الله وطلب الشهادة والرضا والمغفرة والقرب من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتقدم هذه الأوراق جانباً شخصياً من حياة أحمد بعيداً عن صورته ضابطاً ومقاتلاً، إذ تظهر حضور الالتزام الديني في كتاباته قبل سنوات من اندلاع الثورة وانشقاقه.

ويتذكر شقيقه أيضاً اهتمام أحمد بكبار السن وحرصه على مساعدتهم وتقديم العون لهم، وهي صفة بقيت حاضرة في ذاكرة أسرته وأصدقائه.

مساندة رفاق الانشقاق

لم يقتصر موقف أحمد، وفق رواية شقيقه، على انشقاقه وعودته إلى الرستن، بل عمل على مساعدة عدد من رفاقه الذين اتخذوا القرار نفسه، ويقول محمد إن شقيقه باع بعض ممتلكاته الشخصية لمساعدة ضباط وجنود اختاروا الانشقاق عن الجيش، في مرحلة كانت فيها الخيارات المتاحة أمامهم محدودة والمخاطر كبيرة.

«دمك لم يذهب هدراً»

بعد نحو خمسة عشر عاماً على رحيله، ما تزال عائلة أحمد الخلف تحتفظ برسائله وصوره وتسجيلاته ووثائقه باعتبارها جزءاً من سيرته، فيما بقيت عبارته عن دخول الدبابات إلى الرستن واحدة من أكثر العبارات ارتباطاً باسمه في ذاكرة أسرته ورفاقه.

وفي ختام حديثه لـ«العروبة»، يوجه محمد مصطفى الخلف رسالة إلى شقيقه الراحل قائلاً: «سنقول له بأن دمك لم يذهب هدراً، ورفاقك ساروا على الدرب الذي سرت عليه، وتركت فراغاً كبيراً في قلوبنا».

هكذا تستعيد عائلة أحمد الخلف سيرة ابنها الذي بدأ حياته العسكرية ضابطاً في الجيش، ثم اتخذ قرار الانشقاق في الأشهر الأولى للثورة السورية، وعاد إلى الرستن ليضع نفسه في مقدمة المدافعين عنها، قبل أن يُقتل في معاركها عام 2011، تاركاً خلفه صوراً ورسائل ووثائق وذكريات ما تزال أسرته تحتفظ بها حتى اليوم.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع