العروبة – خاص
تتسلل الوحدة إلى حياة كبار السن حين تضيق مساحة الحديث والمشاركة، حتى لو بقيت الأسرة حولهم وتوافرت لهم الرعاية والاحتياجات الأساسية. فوجود الأبناء والأحفاد في المكان نفسه لا يعني دائماً أن كبير السن يشعر بالقرب منهم، إذ قد تكون حاجته الأعمق إلى وقت يُصغى فيه إليه، وحوار يشعره بأنه ما زال جزءاً حاضراً من حياة أسرته.
أبو موسى.. بين أفراد أسرته ووقت لا ينتهي
يبدأ أبو موسى يومه باكراً، قبل أن يستيقظ بقية أفراد الأسرة، فيجلس في مكانه المعتاد ويتابع حركة البيت من حوله. يعيش في منزل ابنه وبين زوجته وأحفاده، ولا تنقصه احتياجاته الأساسية، إلا أن ساعات النهار تبدو طويلة حين لا يجد مساحة كافية للحديث والمشاركة.
يقول لـ«العروبة»: «أكثر ما أفتقده ليس وجود أفراد أسرتي، بل الوقت الذي يجمعني بهم، فابني يخرج إلى عمله، وتنشغل زوجته بأعمال المنزل، بينما يتوجه الأحفاد إلى مدارسهم ودروسهم، وحين يعود الجميع يكون لكل منهم ما يشغله».
وما يتمناه أبو موسى يتجاوز السؤال عن صحته أو تأمين احتياجاته، فهو يريد جلسة هادئة مع ابنه بعيداً عن استعجال العمل، وحديثاً مع أحفاده عن يومهم ودراستهم، ووقتاً يشاركهم فيه بعض تفاصيل حياتهم، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة انشغالاتهم من بعيد.
ولا ينظر أبو موسى إلى انشغال أسرته بوصفه تقصيراً متعمداً، فهو يدرك كثرة المسؤوليات التي فرضتها الحياة عليهم، لكنه يشعر بأن تقدمه في العمر جعله أكثر احتياجاً إلى القرب والحوار، في وقت أصبحت فيه اللقاءات العائلية أقصر وأكثر ارتباطاً بإيقاع حياة الآخرين.
أبو سهيل.. زيارة تنتظرها الساعات
أخذت الحياة أبناء أبي سهيل إلى بيوت ومسؤوليات مختلفة، وأصبح المنزل أكثر هدوءاً مما كان عليه في سنوات سابقة. ويمضي يومه بين بعض الأعمال المنزلية ومتابعة الأخبار والاتصالات التي تخفف شيئاً من فراغ الوقت، لكن زيارة الأبناء والأحفاد تبقى بالنسبة إليه حدثاً منتظراً، فحضورهم يغيّر إيقاع اليوم ويفتح مساحة للحديث واستعادة الذكريات والشعور بالقرب.
ولا يطلب أبو سهيل أن يبقى أبناؤه إلى جانبه طوال الوقت، بقدر ما يريد أن يظل التواصل معهم جزءاً طبيعياً من حياته، لا موعداً يتأجل كلما ازدحمت أيامهم. فالزيارة بالنسبة إليه ليست مجرد حضور في المكان، وإنما سؤال واستماع ومشاركة لتفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها تحمل له معنى كبيراً.
وبين تجربة أبي موسى وأبي سهيل تختلف الظروف، لكن الحاجة واحدة؛ فالأول يعيش وسط أسرته لكنه يفتقد الوقت المشترك، فيما يعيش الثاني بعيداً عن أبنائه بعدما أصبح لكل منهم بيته وحياته. وفي الحالتين، تبدو الحاجة إلى التواصل والاهتمام والشعور بالانتماء أكثر حضوراً من الحاجة إلى الرعاية المادية وحدها.
وجود الأسرة لا يلغي الشعور بالوحدة
توضح المرشدة الاجتماعية والمستشارة الأسرية الدكتورة ندى البدري لـ«العروبة» أن هناك فرقاً بين الوحدة والعزلة الاجتماعية؛ فالعزلة ترتبط بقلة التواصل والعلاقات والمشاركة الاجتماعية، ويمكن ملاحظتها من الخارج، بينما تمثل الوحدة شعوراً داخلياً بعدم القرب والانتماء والاهتمام، ولذلك يمكن للمسن أن يعيش وسط أبنائه وأحفاده ويشعر في الوقت نفسه بوحدة شديدة.
وتشير البدري إلى أن وجود الآخرين حول المسن لا يعني بالضرورة وجود تواصل حقيقي معه، فقد تُلبى احتياجاته من طعام ودواء ورعاية، بينما تبقى حاجته إلى الحديث والاهتمام والشعور بقيمته دون إشباع.
وقد تتحول العلاقة معه، من دون قصد، إلى علاقة رعاية تقتصر على أسئلة من نوع: هل تناولت الدواء؟ هل أكلت؟ هل تحتاج شيئاً؟ في حين يغيب السؤال عن مشاعره وأفكاره وما يريد أن يتحدث عنه.
وتبين البدري أن استمرار الشعور بالوحدة قد ينعكس على الحالة النفسية والاجتماعية للمسن، من خلال زيادة الانسحاب وفقدان الاهتمام بالأنشطة والأشخاص الذين اعتاد التواصل معهم، وظهور مشاعر الحزن أو القلق أو فقدان القيمة والمعنى.
وتدعو إلى الانتباه إلى مؤشرات مثل قلة الكلام والتواصل، والابتعاد عن الجلسات العائلية، واضطراب النوم أو الشهية، وسرعة الانفعال، وإهمال المظهر أو الأنشطة المعتادة، وكثرة الحديث عن الماضي بصورة حزينة، إضافة إلى تكرار عبارات تعكس شعور المسن بأنه لم يعد له دور أو أن أحداً لم يعد يحتاج إليه.
وتؤكد أن هذه التغيرات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتيجة طبيعية وحتمية للتقدم في العمر، ولا سيما عندما تكون واضحة أو مستمرة أو شديدة، إذ يستدعي الأمر حينها الانتباه إلى الحالة النفسية والصحية للمسن والاستعانة بالمختص عند الحاجة.
اهتمام يومي يعيد المسن إلى دائرة الأسرة
ترى البدري أن دعم كبار السن لا يحتاج بالضرورة إلى مبادرات كبيرة، وإنما إلى اهتمام مستمر وحقيقي، كزيارة منتظمة أو مكالمة هاتفية أو جلسة قهوة أو نزهة قصيرة أو إشراك المسن في مناسبة عائلية، وحتى الاستماع إلى قصة سبق أن رواها مرات عديدة.
وتلفت إلى أهمية الحفاظ على دور المسن داخل الأسرة، وعدم تحويله إلى متلقٍ للرعاية فقط، من خلال أخذ رأيه واستشارته وإشراكه في بعض القرارات، وتشجيعه على المحافظة على صداقاته وهواياته وأنشطته الاجتماعية بما يتناسب مع قدراته.
كما تشير إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه الأحفاد في تعزيز التواصل بين الأجيال، من خلال مشاركة الجد أو الجدة الصور والذكريات، وتعليمه استخدام الهاتف والتقنيات الحديثة، أو إشراكه في نشاط بسيط يتيح له التفاعل والشعور بالقرب.
ولا يقتصر الأمر على الأسرة، بحسب البدري، إذ يمكن للجيران والأصدقاء أن يشكلوا جزءاً مهماً من شبكة الدعم الاجتماعي، ولا سيما بالنسبة إلى كبار السن الذين يعيشون بمفردهم أو بعيداً عن أبنائهم.
وفي المحصلة، لا ترتبط حياة كبار السن بالرعاية المادية وحدها، فالحاجة إلى الحديث والاستماع والمشاركة والشعور بأن لهم مكاناً ودوراً داخل الأسرة تبقى حاضرة مهما تقدم بهم العمر. وبين بيت عامر بالأبناء والأحفاد وبيت ينتظر زيارة غائبة، يبقى التواصل الإنساني أحد أهم الجسور التي تحفظ لكبير السن حضوره وانتماءه داخل محيطه الأسري والاجتماعي.