مقال: إيمان زرزور
تواجه المالية العامة في سوريا، الخارجة من سنوات طويلة من الحرب، ضغوطاً كبيرة في ظل اتساع الاحتياجات الخدمية والتنموية، ومحدودية الموارد المتاحة، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، بالتوازي مع واقع معيشي صعب يفرض على مؤسسات الدولة إعادة النظر في أولويات الإنفاق وكيفية توجيه الموارد.
وفي ظل هذه الظروف، لم يعد النقاش متعلقاً بحجم الإنفاق العام فحسب، بل بكفاءته والغاية منه، ومدى انعكاسه على الخدمات والمشاريع التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، ولا سيما أن المرحلة الحالية تتطلب موازنة دقيقة بين تمويل الاحتياجات الأساسية ومشاريع التعافي، وبين ضبط النفقات التي يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت انتقادات شعبية لبعض أوجه الإنفاق الحكومي، وطالت نفقات الفعاليات والمناسبات، واستخدام السيارات الحكومية ومخصصات الوقود، إلى جانب مطالبات بالحد من مظاهر الإنفاق غير الضروري وتوجيه الموارد نحو مشاريع أكثر أولوية وأسرع أثراً على حياة المواطنين.
وسط هذا الواقع، جاءت إجراءات ترشيد الإنفاق العام التي اقترحتها وزارة المالية ووافقت عليها الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لتضع النفقات الحكومية والمشاريع الاستثمارية أمام مراجعة واسعة، مع استثناء الرواتب والأجور والخدمات الأساسية من التخفيض.
لا تكمن أهمية القرار في خفض الإنفاق بحد ذاته، وإنما في إعادة ترتيب أولوياته، والتمييز بين النفقات الضرورية لاستمرار مؤسسات الدولة والخدمات العامة، وتلك التي يمكن تقليصها أو تأجيلها من دون أن ينعكس ذلك على حياة المواطنين أو النشاط الاقتصادي.
إجراءات الترشيد دخلت في تفاصيل الإنفاق اليومي للجهات العامة، إذ شملت وقف النفقات غير الضرورية أو تقليصها إلى الحد الأدنى، والحد من السفر والإيفاد والمهام الداخلية والخارجية، والمؤتمرات والاحتفالات والضيافة والمطبوعات والقرطاسية والاشتراكات وأرصدة الهواتف غير الضرورية.
وامتدت الإجراءات إلى وقف شراء السيارات والآليات المخصصة للأغراض الإدارية أو استبدالها، وضبط شراء الأثاث والتجهيزات المكتبية، وتأجيل أعمال الصيانة والتحسينات غير العاجلة، وتقليص الدراسات والاستشارات الخارجية التي يمكن للكوادر الحكومية تنفيذها.
كما نصت على خفض مخصصات البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 في المئة، وفق الضوابط والاستثناءات المحددة، وهو بند يكتسب أهمية إضافية في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتأثير تكاليف الطاقة في المالية العامة ومختلف القطاعات الاقتصادية.
لا يقتصر الترشيد على المصروفات الإدارية، بل يطال طريقة التعامل مع المشاريع الاستثمارية، من خلال مراجعتها وتصنيفها وفق درجة الضرورة ونسب الإنجاز والالتزامات القائمة وآثارها المالية والاقتصادية والخدمية.
وتعطي الإجراءات الأولوية للمشاريع المرتبطة باستمرار الخدمات الأساسية والسلامة العامة والبنى التحتية الحيوية، إلى جانب المشاريع التي تحقق مردوداً اقتصادياً أو مالياً، بينما يمكن تأجيل المشاريع التي لا يؤدي تأخيرها إلى تأثير جوهري في الخدمات أو النشاط الاقتصادي.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في إمكانية تركيز الموارد على عدد من المشاريع الأكثر إلحاحاً بدلاً من توزيعها على مشاريع كثيرة قد يؤدي نقص التمويل إلى إبطاء تنفيذها جميعاً.
كما استثنت الإجراءات المشاريع المتقدمة في التنفيذ عندما تكون كلفة إيقافها أكبر من الوفر المتوقع، والمشاريع الممولة من منح أو تمويل خارجي إذا كان وقفها يؤدي إلى فقدان التمويل، فضلاً عن المشاريع ذات العائد المالي أو الاقتصادي المباشر.
يمثل استثناء الرواتب والأجور والنفقات الأساسية جانباً رئيسياً في إجراءات الترشيد، ولا سيما أن أي سياسة لضبط الإنفاق يمكن أن تفقد غايتها إذا انعكست بصورة مباشرة على الخدمات الضرورية أو حملت المواطنين أعباء إضافية.
وشملت الاستثناءات نفقات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إلى جانب أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية لاستمرار عمل الجهات العامة.
وهنا، تكتسب آلية الرقابة أهمية موازية لقرار الترشيد نفسه، إذ أُلزمت الجهات العامة بتقديم بيانات إلى وزارة المالية حول النفقات التي جرى وقفها، والمبالغ المرصدة والمتعاقد عليها والمنفقة والمتبقية، إضافة إلى تقدير الوفر المتوقع حتى نهاية السنة المالية.
كما حظرت الإجراءات تجزئة النفقات أو إعادة توصيفها أو نقلها بين البنود بقصد تجاوز أحكام البلاغ، ومنعت الجهات العامة من استخدام الوفورات المحققة في تمويل نفقات أخرى بصورة مباشرة، على أن تتولى وزارة المالية حصر هذه الوفورات واقتراح إعادة تخصيصها.
وتتيح هذه الآلية، في حال تطبيقها بصورة دقيقة، الانتقال من مفهوم الترشيد باعتباره تعليمات إدارية إلى نتائج يمكن قياسها ومقارنتها، سواء من حيث حجم الوفر أو طبيعة الإنفاق الذي جرى تخفيضه.
يبقى التنفيذ العامل الحاسم في تقييم إجراءات ترشيد الإنفاق، لأن وقف بعض النفقات أو إعادة تصنيف المشاريع لا يمثل هدفاً بحد ذاته، ما لم ينعكس على كفاءة إدارة الموارد وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية.
كما أن تطبيق الترشيد بصورة متوازنة يتطلب عدم تحويله إلى سبب لتعطيل أعمال ضرورية، وفي الوقت نفسه عدم الإبقاء على نفقات يمكن الاستغناء عنها تحت مسميات مختلفة.
ويمكن قياس نتائج الإجراءات لاحقاً من خلال حجم الوفورات التي تحققت، ومدى الالتزام بتخفيض المصروفات الإدارية واستهلاك الوقود، ونسب تنفيذ المشاريع ذات الأولوية، والأهم استمرار الخدمات الأساسية وعدم تأثرها بإجراءات التخفيض.
وفي بلد يواجه احتياجات واسعة لإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية وتحريك النشاط الاقتصادي بعد سنوات الحرب، تصبح كفاءة استخدام المال العام جزءاً أساسياً من إدارة مرحلة التعافي، فالمسألة لا تتعلق بإنفاق أقل بقدر ما تتعلق بتحديد أين يجب أن تنفق الموارد المحدودة، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي لا يحتمل الانتظار.
ومن هنا، يشكل قرار ترشيد الإنفاق خطوة لإعادة ترتيب الأولويات، فيما تبقى قيمته الفعلية مرتبطة بما سيظهر على أرض الواقع من التزام بالتنفيذ، ووفورات قابلة للقياس، وتوجيه أكبر للموارد نحو الخدمات والمشاريع الأكثر ارتباطاً باحتياجات المواطنين.