العروبة – خاص
عاد آلاف الأهالي إلى بلدة الزارة في ريف حمص الغربي إلى منازلهم، لكن هذه العودة لم تترافق بالمستوى نفسه مع استعادة الخدمات والبنية التحتية التي تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب التي شنها النظام البائد، لتجد البلدة نفسها أمام احتياجات متراكمة تبدأ من الطرق والمياه والصرف الصحي، ولا تنتهي بالكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والزراعة.
وتكشف جولة «العروبة» في واقع البلدة أن المشكلة لا ترتبط بقطاع خدمي واحد، بل بمجموعة ملفات متداخلة تحتاج إلى أعمال تأهيل متكاملة، ولا سيما مع تزايد أعداد السكان واتساع المناطق المأهولة بعد عودة الأهالي.
احتياجات تبدأ من الطرق ولا تنتهي عندها
طالبت فاطمة حلاويك واكتمال إسماعيل، من سكان الزارة، في حديثهما لـ«العروبة»، الجهات المعنية بالنظر في احتياجات البلدة وتحسين مستوى الخدمات فيها أسوة بباقي المناطق، وتنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل ما تضرر من بنيتها التحتية.
وأشارتا إلى أن الطرق تشكل إحدى أبرز المشكلات اليومية، إذ تحتاج المداخل والطرق الداخلية بين الأحياء والمنازل والمحال إلى الصيانة والتعبيد والتزفيت، في ظل انتشار الحفر والأضرار التي تعيق حركة السكان والمركبات.
وتعرضت مداخل الزارة وعدد من طرقها الرئيسية لأضرار نتيجة حركة الآليات الثقيلة والدبابات والجرافات خلال الاقتحامات العسكرية التي شهدتها البلدة في سنوات الحرب.
وتشمل الاحتياجات، بحسب الأهالي، الطريق الواصل بين الزارة وعين التينة، والطريق الزراعي بين باروحة والزارة، والطريق بين الزارة والحصرجية والشواهد، والطريق الزراعي المؤدي إلى الأوتوستراد من جهة القصر، إضافة إلى طريق الزارة – تلكلخ والطرق الداخلية.
نحو 18 ألفاً في الزارة والقرى المرتبطة بها
من جهته، أوضح رئيس بلدة الزارة مروان المصري لـ«العروبة» أن عدد سكان الزارة يبلغ نحو 13,500 نسمة، إضافة إلى نحو 2,500 نسمة في قرية القميري ومثلهم تقريباً في الحصرجية.
وأشار إلى أن الزارة والحصرجية تعرضتا لدمار واسع خلال سنوات الحرب، مبيناً أن الزارة عانت حصاراً استمر نحو عامين، قبل أن تتعرض للاقتحام في آذار 2014، ما أدى إلى نزوح السكان باتجاه تلكلخ ولبنان والشمال السوري وتركيا.
وبدأت عودة الأهالي عام 2017 في ظل نقص كبير في الخدمات الأساسية، ولا سيما الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، لتزداد الحاجة مع مرور السنوات إلى إعادة تأهيل الشبكات والمرافق بما يتناسب مع أعداد السكان العائدين.
طرقات خضعت للكشف وأخرى تنتظر التأهيل
بيّن المصري أن عدداً من الطرق الزراعية يحتاج إلى الصيانة وإعادة التأهيل، فيما كشفت مديرية الخدمات الفنية على بعضها وأرسلت مهندسين ولجاناً لدراسة واقعها.
ولفت إلى سوء حالة الطريق الزراعي «أوتوستراد بردعيات»، الذي جرى الكشف عليه من قبل الخدمات الفنية، إضافة إلى حاجة طريق القصر اليميني – كلموخ إلى التزفيت والإصلاح، وطريق الزارة – جباب إلى إعادة التأهيل.
أما الطريق الرئيسي الواصل من أوتوستراد حمص – طرطوس مروراً بالزارة، فأشار إلى حاجته إلى التوسعة بسبب ضيقه ووجود تدرجات فيه.
المياه كل يومين أو ثلاثة
تعتمد الزارة حالياً على مصدرين للمياه، بحسب المصري، الذي أوضح أن المياه تصل إلى المنازل كل يومين أو ثلاثة أيام تقريباً، وقد تمتد الفترة في بعض الأحيان إلى أربعة أيام تبعاً للإمكانات المتاحة.
ويجري ملء أحد خزانات المياه من الآبار وتوزيع المياه على المنازل، إلى جانب وجود خزان آخر في الطرف المقابل من البلدة.
وأكد المصري حاجة شبكة المياه إلى الصيانة والتوسعة، ولا سيما مع التوسع العمراني في أطراف الزارة، إضافة إلى حفر بئر جديد لدعم المصادر الحالية وتحسين القدرة على تأمين المياه للسكان.
ربع شبكة الصرف بحاجة إلى المعالجة
شهدت البلدة تنفيذ مشروعين للصرف الصحي بدعم من محافظة حمص، إلا أن أجزاء من الشبكة ما تزال بحاجة إلى الصيانة، وقدّر المصري نسبة الأجزاء التي تحتاج إلى معالجة بنحو 25 بالمئة.
وأوضح أن قدم الشبكة ووجود أعطال فيها يفرضان أعمال صيانة مستمرة، فيما تعرض عدد من الريغارات وفتحات الصرف للسرقة والتخريب، ما أدى إلى خروج بعض النقاط من الخدمة.
وتم تأمين 24 غطاءً للريغارات وإغلاق 21 نقطة، إلا أن البلدية ما تزال بحاجة إلى إمكانات إضافية لمعالجة النقاط المفتوحة واستكمال أعمال الصيانة.
200 عمود كهرباء و80 نقطة إنارة
تظهر مشكلة الكهرباء بصورة أكبر في عدد من الحارات وأطراف البلدة، حيث يوجد نقص في الأعمدة والأسلاك والشبكات، ما دفع السكان إلى الاعتماد بدرجة كبيرة على ألواح الطاقة البديلة.
وأشار المصري إلى حاجة الزارة إلى نحو 200 عمود لاستكمال تمديدات شبكة الكهرباء في مناطق مختلفة، إضافة إلى نحو 80 نقطة تحتاج إلى الإنارة بالطاقة الشمسية، ولا سيما مع الطبيعة الجبلية للمنطقة.
ولفت إلى وجود وعود بدعم البلدة بإنارة عدد من الشوارع بالطاقة البديلة.
اتصالات شبه غائبة
لا تملك الزارة حالياً برجاً للاتصالات الخلوية، كما أن شبكة الهاتف الأرضي لا تعمل بعد تعرض الشبكة والمقاسم السابقة للتدمير، ما يجعل ملف الاتصالات واحداً من الاحتياجات الأساسية للسكان.
وأوضح المصري أن الأهالي تلقوا وعوداً بتركيب مقاسم حديثة وإعادة تأهيل شبكة الهاتف الأرضي، فيما تبقى الحاجة قائمة إلى برج للاتصالات الخلوية وتحسين التغطية في المنطقة.
النظافة بإمكانات محدودة
تعمل البلدية في قطاع النظافة بجرار واحد وسائق وعاملين اثنين، بينما تحتاج، بحسب رئيس البلدية، إلى أربعة عمال إضافيين لتغطية أعمال تنظيف الشوارع.
وتُنقل النفايات يومياً إلى المكب المعتمد في منطقة العريضة بريف حمص، إلا أن عدم توافر الحاويات يدفع إلى تجميعها في نقاط محددة قبل ترحيلها، وتقدمت البلدية بعدة طلبات لتأمين حاويات للنفايات، بهدف تنظيم عملية الجمع وتحسين واقع النظافة وتخفيف الأعباء عن العمال.
3000 متر مكعب من الأنقاض تنتظر الترحيل
لا تزال آثار الدمار حاضرة في أجزاء من الزارة، إذ جرى حتى الآن ترحيل نحو 7000 متر مكعب من الأنقاض، فيما بقي نحو 3000 متر مكعب بحاجة إلى الترحيل ضمن خطة مديرية الخدمات الفنية في حمص.
وتضم البلدة أيضاً عدداً من المعالم التاريخية التي تعرض بعضها للدمار، بينها برج أثري روماني ونبع أثري وجامع قديم.
الزراعة خسرت آلاف أشجار الزيتون
امتدت آثار الحرب إلى النشاط الزراعي الذي شكّل أحد مصادر دخل السكان، إذ كانت الزارة معروفة بزراعة الزيتون والتين، فيما تعرض ما بين 30 و40 ألف شجرة زيتون للقطع خلال سنوات الحرب، بحسب رئيس البلدة.
وتعتمد المنطقة حالياً بصورة رئيسية على زراعة الفريز وبعض أنواع الخضراوات، في وقت تحتاج فيه الآبار الزراعية إلى الصيانة، بالتوازي مع الحاجة إلى إعادة تأهيل الطرق الزراعية وفتح طرق جديدة تسهل الوصول إلى الأراضي وتساعد في حمايتها من الحرائق.
وتمكن بعض الأهالي من صيانة عدد من الآبار الزراعية، فيما بقيت آبار أخرى خارج الخدمة نتيجة ضعف الإمكانات المادية اللازمة لإصلاحها.
180 مدجنة.. وبعضها خارج الخدمة
يضم قطاع الثروة الحيوانية في الزارة نحو 180 مدجنة، إلا أن عدداً منها لا يزال متوقفاً بسبب ارتفاع تكاليف الصيانة وإعادة التأهيل، بينما تمكن بعض أصحابها من إصلاح منشآتهم واستئناف العمل.
كما تراجع نشاط تربية النحل، وتوقف عدد من المربين عن الاستمرار فيه نتيجة الظروف الاقتصادية وضعف الإمكانات المادية.
الخبز متوافر ومطالب بمعتمدي غاز إضافيين
يحصل سكان الزارة والقميري والحصرجية على مخصصاتهم من الخبز بصورة يومية، ووصف الأهالي واقع تأمين المادة حالياً بالجيد.
أما الغاز، فتُسجل مخصصاته من مصفاة حمص، فيما يطالب السكان بتخصيص معتمد إضافي في الزارة وآخر في الحصرجية لتسهيل الحصول على المادة وتقليل أعباء استجرارها.
التعليم والصحة بإمكانات محدودة
تضم الزارة مدرسة للتعليم الأساسي، فيما يجري تجهيز مدرسة أخرى بالتبرعات، إلى جانب جهود شعبية لتجهيز صفوف للتعليم الإعدادي، بينما تحتاج المدرسة الإعدادية إلى ترميم شامل، وتم مؤخراً افتتاح ثانوية الزارة.
وفي القطاع الصحي، يوجد مستوصف يعمل بكادر محدود يضم ممرضات وقابلة، ويقدم خدمات للأطفال واللقاحات والقبالة، إلا أن إمكاناته ما تزال محدودة مقارنة باحتياجات السكان.
أما النقل، فتتوفر وسائط تعمل على خط الزارة – تلكلخ، إضافة إلى خدمة تربط القرى المجاورة بمدينة حمص، ويستفيد منها الموظفون وطلاب الجامعات في الوصول إلى مركز المحافظة.
عودة السكان ترفع سقف الاحتياجات
تكشف ملفات الخدمات في الزارة عن تفاوت بين القطاعات، فمنها ما شهد تنفيذ مشاريع أو تحسينات جزئية، كالصرف الصحي وترحيل الأنقاض والتعليم، ومنها ما يزال يعاني نقصاً واضحاً، وفي مقدمتها الطرق والمياه والكهرباء والاتصالات.
ومع استقرار أعداد متزايدة من الأهالي في البلدة، لم تعد الاحتياجات مرتبطة بإصلاح أضرار سابقة فقط، بل بتوسعة شبكات ومرافق أصبحت مطالبة بخدمة تجمع سكاني أكبر.
وبين ما أُنجز وما يزال قيد الدراسة أو بانتظار التنفيذ، ترتبط استعادة الواقع الخدمي في الزارة بقدرة المشاريع المقبلة على معالجة الملفات بصورة مترابطة، بحيث تتواكب إعادة تأهيل البنية التحتية مع عودة السكان واحتياجاتهم اليومية.