من رفوف المكتبات إلى الهواتف.. القراءة بين شغف الورق وإغراء المحتوى السريع

العروبة – خاص

 

تشهد عادات القراءة لدى الشباب تغيرات متسارعة مع اتساع استخدام الهواتف والمنصات الرقمية وسهولة الوصول إلى الكتب والمعلومات إلكترونياً، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الكتب الورقية وتراجع القدرة على اقتنائها.

 

 

وبين استمرار الإقبال على المكتبات والكتاب الورقي من جهة، وانتشار القراءة عبر الشاشات من جهة أخرى، تتعدد خيارات الشباب وطرق تعاملهم مع القراءة وفق احتياجاتهم واهتماماتهم والظروف المتاحة.

 

وتكشف تجارب عدد من الشباب في حمص، إلى جانب ملاحظات العاملين في المجالين الثقافي والأكاديمي، عن صورة متباينة؛ فالكتاب الورقي ما زال حاضراً لدى شريحة من القراء والطلاب، في حين وسعت الوسائل الرقمية خيارات الوصول إلى المعرفة، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحديات تتعلق بالتركيز والوقت المخصص للقراءة الطويلة.

 

الورق يحتفظ بمكانته لدى الشباب

 

أشارت حلا، وهي طالبة في السنة الثانية بقسم الأدب العربي، في حديثها لـ«العروبة»، إلى أنها تحب قراءة الكتب والقصص وتجد فيها فائدة كبيرة، إلا أن ارتفاع أسعار الكتب الورقية يحد من قدرتها على شرائها.

 

ويقدم عبد الرحمن حامد، طالب في السنة السادسة بكلية الطب، تجربة ترتبط بطبيعة دراسته، إذ تتركز قراءته الورقية بدرجة كبيرة على الكتب والمراجع الدراسية.

 

وأوضح حامد أن دراسة الطب تحتاج إلى التركيز، لذلك لا يستطيع الاستغناء عن الكتب الورقية، مؤكداً أن الإنترنت يساعده في الدراسة لكنه «لا يلغي أبداً دور الكتب الورقية».

 

أما في الموضوعات الثقافية والدينية والروايات، فأصبح الإنترنت بالنسبة إليه وسيلة أسهل وأقل كلفة للوصول إلى المعلومات، فيما أخذت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من وقت الفراغ الذي كان يمكن تخصيصه للقراءة.

 

المعلومة أسرع.. والقراءة الطويلة أمام تحدٍ جديد

 

رأى نور الدين السليم، طالب في كلية الطب البشري، أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أثر بشكل واضح في عادة قراءة الكتب، مع تحول الوصول إلى المعلومات إلى عملية أسرع وأكثر سهولة.

 

وقال: «أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل، ولم يعد الشخص مضطراً دائماً لقراءة كتاب كامل حتى يحصل على ما يريد. وأحياناً نكتفي بملخص أو إجابة جاهزة، وهذا خفّف من صبرنا على القراءة الطويلة».

 

ورغم ذلك، أكد السليم أن الكتاب يمنح القارئ فهماً أعمق وتركيزاً أكبر مقارنة بالمحتوى السريع، موضحاً أن ارتباط الكتاب باهتماماته وإضافته معرفة جديدة يشجعانه على القراءة.

 

وأضاف أنه يحاول العودة إلى القراءة بين فترة وأخرى «حتى لا أفقد هذه العادة مع كثرة البدائل الرقمية».

 

بدورها، تفضل نغم، الطالبة في كلية التربية، الكتاب الورقي عندما يكون متاحاً، لما يمنحها من متعة وتركيز وإمكانية الاحتفاظ به، لكنها تلجأ أحياناً إلى النسخ الإلكترونية عند صعوبة الحصول على الكتاب الورقي.

 

الورقي والإلكتروني.. تكامل لا إلغاء

 

اعتبر ضياء، وهو صاحب محل، أن الكتاب الإلكتروني لا يلغي الكتاب الورقي، بل يمكن أن يكمله، مشيراً إلى أن الأهم هو استمرار القراءة بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة.

 

وتعكس تجارب الشباب اختلافاً في دوافع اختيار وسيلة القراءة، فالتركيز ومتعة امتلاك الكتاب يدفعان البعض إلى الورق، فيما تجعل سهولة الوصول وانخفاض التكلفة من الشاشة خياراً عملياً لدى آخرين، بينما يجمع بعض القراء بين الوسيلتين وفق الموضوع والظروف المتاحة.

 

إقبال على المكتبات وقاعات المطالعة

 

قدمت مديرة المركز الثقافي في حمص إيمان السباعي صورة مختلفة عن الحديث المتكرر حول ابتعاد الشباب عن الكتاب، إذ أكدت لـ«العروبة» أن المركز يلاحظ رغبة وإقبالاً لدى الشباب على القراءة من الكتاب الورقي مباشرة بدلاً من الاعتماد على الأجهزة الذكية.

 

وبيّنت أن هذا الإقبال يظهر في أعداد زوار المكتبة والطلب على استعارة الكتب، مشيرة إلى أن قاعات المطالعة تكاد لا تخلو يومياً من القراء والقارئات، سواء للمطالعة أو الدراسة أو استعارة الكتب.

 

وأكدت السباعي أنها لا تلاحظ تراجعاً في اهتمام الشباب بالقراءة، بل ترى رغبة لديهم في الانضمام إلى نوادي القراءة وزيارة المكتبات وحضور الندوات والفعاليات المتعلقة بالكتاب.

 

وتتنوع اهتمامات زوار المكتبة الشباب بين الكتب العلمية والأدبية والروايات العالمية، فيما يقصدها طلبة للاستفادة من مراجعها في أبحاثهم ودراساتهم.

 

240 قارئاً في «نادي القراء»

 

أنشأ المركز الثقافي في حمص «نادي القراء» لتشجيع القراءة، وبلغ عدد المنضمين إليه حتى الآن 240 قارئاً، بحسب السباعي، التي أشارت إلى اهتمام عدد كبير منهم بقراءة الكتب المقترحة ضمن نشاط النادي.

 

وفتح المركز مكتبته أمام القراء يومياً حتى الساعة الخامسة مساءً، مع توفير قاعات للمطالعة وإتاحة خدمة استعارة الكتب.

 

وامتدت نشاطاته إلى تعليم القراءة والكتابة لفاقدي التعليم، وزيادة دورات تعليم اللغة العربية، وتنظيم جلسات لتعليم الإعراب وإعراب القرآن الكريم، إضافة إلى إنشاء نادٍ للقراءة مخصص للأطفال واليافعين.

 

وأوضحت السباعي أن عدد الطلاب في دورات محو الأمية لم يتجاوز عشرة طلاب، بينما تجاوز عدد المشاركين في دورات تقوية اللغة العربية وإعراب الألفية وإعراب القرآن الكريم هذا العدد.

 

الروايات تتصدر الطلب في المكتبات

 

أكدت صاحبة مكتبة زنوبيا سوسن الخباز أن الشباب ما زالوا يشكلون شريحة أساسية من زبائن المكتبات، موضحة أن الروايات تأتي في صدارة الكتب التي يطلبونها، إلى جانب المراجع الدينية والفقهية.

 

لكن هذا الاهتمام لا ينعكس بالضرورة على حجم المبيعات، إذ أشارت الخباز إلى تراجع مبيعات الكتب الورقية بشكل كبير، في ظل ارتفاع أسعارها والظروف الاقتصادية التي تفرض على الشباب والأسر أولويات معيشية أكثر إلحاحاً.

 

ولفتت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت في الوقت نفسه عاملاً مؤثراً في اختيار الكتب، إذ يتوجه بعض الشباب لطلب روايات وعناوين محددة بعد التعرف إليها عبر هذه المنصات.

 

الكتاب الورقي وتجربة القراءة

 

أشارت الدكتورة خديجة الدالاتي، الحاصلة على دكتوراه في الأدب العربي، لـ«العروبة»، إلى أن القراءة تأتي لدى شريحة واسعة من الجيل الحالي في مرتبة متأخرة من الاهتمامات، إلا أنها لاحظت أن الشباب المهتمين بالقراءة يميلون إلى الكتاب الورقي.

 

وأوضحت، استناداً إلى تجربتها في الإشراف على مسابقة «تحدي القراءة العربي» في دبي، أن عدداً من المشاركين تحدثوا عن شعورهم بأن الكتاب الورقي يمنحهم إحساساً بحضور الكاتب والدخول في حوار مباشر معه، وهو ما لا يجدونه بالدرجة نفسها عند القراءة عبر الشاشة.

 

الهواتف تعيد تشكيل عادات التركيز

 

رأت الدالاتي أن الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي أثرت في مدة التركيز والقدرة على قراءة النصوص الطويلة، نتيجة الاعتياد على التنقل السريع بين الأخبار والصفحات والمحتويات القصيرة.

 

وأشارت إلى أن هذا النمط انعكس على تعامل بعض الشباب مع الكتب والمناهج المدرسية، إذ أصبح بعض الطلاب أقل قدرة على تخصيص الوقت والتركيز اللازمين للدراسة والقراءة المطولة.

 

وفي المقابل، أوضحت أن القراءة الإلكترونية انتشرت بصورة كبيرة بفعل ارتفاع أسعار الكتب الورقية وسهولة الوصول إلى النسخ الإلكترونية، ولا سيما المجانية منها.

 

وأكدت أن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بمكانته لدى القراء المتمرسين، فيما يمكن للكتاب الإلكتروني أن يؤدي دوراً مكملاً له، خاصة عندما يتعذر الحصول على النسخة الورقية أو عندما يبحث القارئ عن وسيلة أسرع وأقل كلفة.

 

كيف تعود القراءة إلى الحياة اليومية؟

 

ربطت الدالاتي تعزيز حضور القراءة لدى الشباب بتشجيعهم عليها وتفعيل الأنشطة المرتبطة بالكتاب، وتنظيم المسابقات وتقديم الكتب المناسبة، إلى جانب تعزيز دور المكتبات المدرسية والمنزلية.

 

وتكشف التجارب والآراء أن علاقة الشباب بالقراءة لم تعد محكومة بوسيلة واحدة، إذ يستمر الكتاب الورقي في جذب من يبحثون عن التركيز ومتعة القراءة، بينما توفر الشاشة وصولاً أسرع وأقل كلفة إلى المحتوى.

 

وبين تراجع مبيعات الكتب الورقية من جهة، وتزايد الإقبال الذي يسجله المركز الثقافي على المكتبة ونادي القراء من جهة أخرى، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من اختزالها في تراجع القراءة أو ازدهارها، فيما يبقى التحدي الأساسي في قدرة الشباب على تخصيص مساحة للقراءة وسط التدفق المستمر للمحتوى الرقمي.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع