معالم من حمص: من قادش إلى ضفاف العاصي.. تل النبي مندو يجمع التاريخ والطبيعة وذاكرة أهالي حمص

العروبة – خاص

 

يجمع تل النبي مندو في ريف حمص الجنوبي الغربي بين طبقات من التاريخ وذاكرة اجتماعية ما زالت حاضرة لدى أبناء المنطقة، فمن مدينة قادش القديمة إلى نهر العاصي والطاحونة البنجكية والقناطر الحجرية، تتداخل المعالم الأثرية والطبيعية مع ذكريات السيران والقعدات الشعبية التي جعلت من المكان وجهة اعتادتها عائلات من حمص خلال أيام العطل.

 

ويقع التل في منطقة القصير بالقرب من نهر العاصي، واكتسب أهميته من موقعه الطبيعي والاستراتيجي الذي أسهم في استمرار الاستيطان البشري فيه خلال عصور متعاقبة، فيما أضاف النهر إلى المكان دوراً يتجاوز المشهد الطبيعي إلى الزراعة وتشغيل الطواحين وحياة السكان اليومية.

 

ذكريات على ضفاف العاصي

 

استعاد أبو مصطفى، وهو من أهالي المنطقة، في حديثه لـ«العروبة» جانباً من ذاكرة المكان، موضحاً أن التوجه إلى مجرى العاصي عند تل النبي مندو كان يتكرر أسبوعياً خلال أيام العطل برفقة الأهل والأقارب.

 

وقال إن العائلات كانت تقضي وقتها في جلسات شعبية وتناول الطعام، بينما كانت ألعاب طاولة النرد «الزهر» والمنقلة حاضرة بين الكبار، في حين يلعب الأطفال بالكرة ويلجأ بعضهم إلى السباحة في النهر.

 

بدوره، تحدث محمد سليمان لـ«العروبة» عن ارتباط المكان بعادات اجتماعية وموسمية، إذ كانت العائلات تقصده للاستمتاع بطبيعته ومعالمه، والاستفادة من مياه العاصي في غسل الصوف المخصص لتنجيد الفُرش.

 

وأوضح أن غسل الصوف كان يمثل طقساً سنوياً خلال فصل الربيع، عندما تكون مياه النهر غزيرة ونظيفة، وكانت الرحلة تترافق مع إعداد الطعام على الضفاف، سواء بشواء اللحوم أو تحضير أكلات شعبية مثل المجدرة والبرغل بالبندورة والسلطات.

 

قادش.. تاريخ تختزنه طبقات التل

 

يرتبط تل النبي مندو بمدينة قادش القديمة، التي شهدت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد المواجهة الشهيرة بين المصريين والحثيين، قبل أن ترتبط قادش لاحقاً بمعاهدة سلام تعد من أقدم معاهدات السلام المعروفة في التاريخ.

 

وتكشف الآثار التي عُثر عليها في الموقع، من أدوات وأوانٍ وبقايا أبنية تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، عن تعاقب فترات من الاستيطان في المنطقة.

 

ويضيف ارتفاع التل وإطلالته على السهل ومجرى العاصي بعداً طبيعياً للموقع، فيما تنتشر في محيطه معالم أخرى ترتبط بذاكرة المنطقة، من بينها المسجد الذي يتوسطه مقام النبي مندو والقناطر الحجرية والطواحين المائية القديمة.

 

العاصي.. نهر ارتبط بحياة السكان

 

شكّل نهر العاصي جزءاً أساسياً من حياة المنطقة، إذ لم يقتصر دوره على منح محيط التل طبيعته المميزة، وإنما ارتبط بالزراعة واستخدام المياه في تشغيل الطواحين وأنشطة السكان المختلفة.

 

كما تحولت ضفافه إلى مساحة اجتماعية اعتاد أهالي حمص ارتيادها خلال العطل، حيث كانت رحلات السيران تجمع العائلات حول الطعام والألعاب والسباحة والجلوس في الهواء الطلق.

 

ومن خلال هذه الممارسات، اكتسب الموقع بعداً اجتماعياً موازياً لقيمته التاريخية، وأصبح جزءاً من ذاكرة أجيال ارتبطت بالمكان بعيداً عن المعالم الأثرية وحدها.

 

الطاحونة البنجكية.. حين كانت المياه تحرك الرحى

 

تقف الطاحونة البنجكية على نهر العاصي بالقرب من تل النبي مندو شاهداً على مرحلة اعتمد فيها السكان على قوة المياه في طحن الحبوب، ضمن منظومة الطواحين المائية التي أدت دوراً في الحياة الاقتصادية للمنطقة.

 

وتروي أم سامر، وهي سيدة ثمانينية من أهالي المنطقة، لـ«العروبة»، أن الطاحونة كانت تستخدم لطحن القمح وتعمل بالطاقة المائية، وتضم ستة أحجار للرحى، مشيرة إلى الدور الذي أدته خلال فترة ازدهار عمل الطواحين المائية.

 

وتوثق الطاحونة جانباً من طرق استثمار السكان لمواردهم الطبيعية، إذ تحولت حركة مياه العاصي إلى طاقة تستخدم في الإنتاج، قبل أن يؤدي تطور وسائل الطحن إلى تراجع الاعتماد على هذا النوع من المنشآت.

 

من ذاكرة السيران إلى مقومات سياحية

 

تتكامل في محيط تل النبي مندو مجموعة من العناصر التي تمنحه خصوصيته، بدءاً من تاريخ قادش، مروراً بنهر العاصي والطاحونة البنجكية والقناطر والمعالم الدينية والحجرية، وصولاً إلى الذاكرة الشعبية المرتبطة برحلات أهالي حمص إلى المنطقة.

 

وتوفر هذه العناصر مقومات يمكن الاستفادة منها في تشكيل مسار سياحي يربط التل بالمعالم المحيطة والطاحونة وضفاف العاصي، ويتيح للزائر التعرف إلى تاريخ المنطقة وطبيعتها وأنماط الحياة التي ارتبطت بالنهر.

 

ويتطلب استثمار هذه المقومات توفير لوحات تعريفية بالمعلومات التاريخية الموثقة، وتحديد مسارات للزيارة، وتأهيل محيط المعالم، والحفاظ على الطاحونة والأبنية التراثية، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية وأماكن الجلوس والاستراحة بما يحافظ على طبيعة الموقع وخصوصيته.

 

معالم تحتاج إلى الحماية

 

تواجه بعض الشواهد التاريخية في المنطقة تحديات تتعلق بالحفاظ عليها، وفي مقدمتها الجسر الأثري في تل النبي مندو، الذي تعرض لأضرار خلال سنوات الحرب، قبل أن تزيد الأمطار وارتفاع منسوب نهر العاصي من تأثيرها عليه.

 

ويضع واقع هذه المعالم مسألة الحماية والترميم ضمن الأولويات المرتبطة بأي توجه لإعادة إحياء الموقع، إذ إن استثماره سياحياً يرتبط أولاً بالحفاظ على عناصره الأثرية والتراثية وتأهيل محيطها.

 

ويختصر تل النبي مندو مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة وذاكرتها؛ من قادش وآثارها، إلى العاصي الذي ارتبط بحياة السكان والطاحونة التي استثمرت قوة مياهه، وصولاً إلى رحلات السيران التي بقيت حاضرة في ذاكرة الأهالي. ويمنح اجتماع هذه العناصر الموقع قيمة تتجاوز كل معلم منفرد، ويشكل أساساً يمكن البناء عليه لحمايته وإعادة تقديمه بوصفه جزءاً من التراث التاريخي والاجتماعي والطبيعي لمحافظة حمص.

المزيد...
آخر الأخبار
مجلس مدينة حمص يحيل موظفين إلى الرقابة الداخلية للتحقيق في واقعة متداولة الخرافات بين الموروث الشعبي والخوف من المجهول.. كيف تؤثر في قرارات الإنسان؟ أختام اللحوم في حمص.. أشكال وألوان تكشف نوع الذبيحة وخضوعها للفحص البيطري سوريا تعرض رؤيتها للتعافي التعليمي في منتدى دولي بالعاصمة الكينية نيروبي النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي