بين صوت الحجر وشرر الحديد.. «الجلخ» حرفة صنعتها دقة اليد

العروبة – خاص

شكّلت مهنة الجلخ لسنوات جزءاً من الحياة اليومية والصناعات المعدنية التقليدية، وارتبطت بشحذ السكاكين والمقصات والمناجل وغيرها من الأدوات، إذ تولّى المجلّخون إعادة الحدّة إلى القطع التي فقدت قدرتها على القطع، مستندين إلى خبرة يدوية تراكمت عبر سنوات طويلة، وأدوات بسيطة تطورت مع دخول المحركات الكهربائية إلى المهنة.

 

وكانت القطعة الحديدية، بعد تصنيعها أو إصلاحها في ورشة الحدادة، تحتاج في كثير من الأحيان إلى مرحلة الجلخ لتصبح أكثر حدّة واستقامة، ما جعل المجلّخ حلقة مهمة في صناعة الأدوات الحديدية وصيانتها، وحرفة حاضرة في الأسواق والأحياء والقرى.

 

 

من الدولاب والدواسة إلى المحرك الكهربائي

 

اعتمد المجلّخ قديماً على دولاب يُدار بواسطة دواسة، ويتصل به قشاط جلدي يحرك حجر الجلخ، وكان الحرفي يجلس أمام دولابه ويحركه بقدمه، بينما يمسك الأداة المراد شحذها بيديه ويمرر نصلها بحذر فوق الحجر الدوار.

 

ومع احتكاك المعدن بالحجر، تعمل حبيبات المادة الحاكة على إزالة الأجزاء المتآكلة من النصل، فيما يتطاير الشرر مع كل ملامسة، ويحرص الحرفي على المحافظة على زاوية الأداة حتى لا يفقد النصل شكله أو تتضرر حافته.

 

ومع تطور وسائل العمل، حلّ المحرك الكهربائي مكان الدولاب اليدوي، وأصبحت أقراص الجلخ تدور بسرعات أكبر، إلا أن جوهر المهنة بقي مرتبطاً بالمهارة اليدوية، من ثبات اليد ودقة العين إلى معرفة زاوية الشحذ المناسبة وطبيعة المعدن الذي يجري التعامل معه.

 

وتتكون أحجار الجلخ من مواد حاكة شديدة الصلابة مرتبطة بمادة رابطة، وتختلف درجة خشونتها بحسب طبيعة العمل ونوع المعدن والسطح المطلوب الوصول إليه.

 

 

حرفة رافقت السكين والمنجل والمقص

 

ارتبط اسم المجلّخ قديماً بالسكاكين والأمواس والمقصات وغيرها من الأدوات الحادة، وكان بعض المجلّخين يجوبون الأحياء والقرى وينادون على الأهالي، فيخرج أصحاب الأدوات التي فقدت حدتها لإعادة شحذها واستخدامها بدلاً من استبدالها.

 

وعرفت المدن السورية هذه المهنة منذ زمن بعيد، ووثّق محمد سعيد القاسمي في «قاموس الصناعات الشامية» مهنة المجلّخ ضمن الحرف التقليدية، وعرّفه بأنه من يصلح ما تثلم من السكاكين بواسطة دولاب الجلخ.

 

وامتد عمل المجلّخ إلى أدوات الزراعة والحرف المختلفة، ومنها المناجل والفؤوس وبعض أدوات الورش، ما جعل هذه الحرفة مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية والعمل في المدن والقرى.

 

 

عين خبيرة ويد ثابتة

 

تحتاج عملية الجلخ إلى خبرة ودقة في التعامل مع كل قطعة بحسب حالتها ونوع معدنها، ويبدأ المجلّخ عادة بفحص الأداة لتحديد مواضع التآكل أو الثلم، ثم يمسكها بطريقة آمنة ويقربها تدريجياً من حجر الجلخ.

 

وخلال العملية، يحرك الحرفي الأداة باستمرار حتى لا يتركز الاحتكاك في نقطة واحدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع حرارة المعدن أو إتلاف النصل وتغيير شكله، كما يتطلب العمل تقدير مقدار المعدن الذي ينبغي إزالته حتى تستعيد الأداة حدتها من دون التأثير في بنيتها الأساسية.

 

وتحتاج هذه المهارة إلى سنوات من الممارسة، حتى يتمكن الحرفي من تقدير زاوية الشحذ المناسبة بالعين، ومعرفة مقدار الضغط المطلوب واللحظة التي ينبغي عندها إبعاد الأداة عن الحجر، إذ قد يؤدي الضغط الزائد إلى ارتفاع حرارة المعدن، بينما لا تحقق الحركة الخفيفة النتيجة المطلوبة.

 

 

بين صوت الحجر وشرر الحديد

 

ارتبطت أجواء المهنة بتفاصيل بقيت عالقة في ذاكرة العاملين فيها؛ صوت احتكاك الحديد بالحجر، ورائحة المعدن الساخن، وتناثر الشرر في محيط الورشة، وهي مشاهد رافقت المجلّخين خلال ساعات العمل الطويلة.

 

وكانت الأدوات تصل إلى الحرفي واحدة تلو الأخرى؛ سكين مطبخ فقد حدته، أو منجل يحتاجه المزارع في موسم الحصاد، أو فأس تعرضت حافته للتلف، أو مقص لم يعد يؤدي وظيفته كما ينبغي، لتعود بعد عملية الشحذ قادرة على أداء وظيفتها من جديد.

 

ويقوم جانب أساسي من مهارة المجلّخ على تحقيق التوازن بين سرعة العمل والمحافظة على الأداة، فالمطلوب معالجة الجزء المتضرر وإعادة تشكيل الحافة من دون إزالة كمية زائدة من المعدن أو الإضرار بشكل القطعة.

 

 

خبرة تنتقل من يد إلى أخرى

 

اعتمد تعلم الجلخ في الماضي بدرجة كبيرة على المرافقة والمشاهدة، إذ يبدأ المتعلم بمساعدة الحرفي في الأعمال البسيطة، ثم يتعرف تدريجياً إلى كيفية تشغيل الدولاب أو آلة الجلخ، وطريقة إمساك القطعة، والمسافة المناسبة بينها وبين الحجر، قبل أن ينتقل إلى تنفيذ عمليات الشحذ بنفسه.

 

ومع مرور السنوات، تتحول الممارسة إلى خبرة متراكمة، فيتعلم الحرفي قراءة شكل الحافة، ومتابعة صوت الاحتكاك، ومراقبة حرارة المعدن، ليقرر ما إذا كانت القطعة تحتاج إلى مزيد من الجلخ أو أصبحت جاهزة للاستخدام.

 

وبقيت المهنة بذلك مرتبطة بمهارة الإنسان وخبرته بقدر ارتباطها بالأداة المستخدمة، فالآلات تطورت ومصادر الطاقة تغيرت، لكن جودة العمل ما زالت تعتمد على قدرة الحرفي على التعامل مع المعدن بدقة ومعرفة خصائص كل أداة.

 

حرفة من ذاكرة الأسواق

 

أدى تغير أنماط الصناعة والاستهلاك وانتشار الأدوات المصنعة الجاهزة إلى تراجع حضور عدد من المهن اليدوية التقليدية، فيما حافظت حرفة الجلخ على وجودها في بعض الأسواق والورش مع استمرار الحاجة إلى شحذ الأدوات وصيانتها وإطالة مدة استخدامها.

 

وتحمل المهنة جانباً من ذاكرة الحرف التي ارتبطت بحياة الناس وأعمالهم اليومية، حين كان إصلاح الأداة وإعادتها إلى الاستخدام جزءاً من دورة العمل المعتادة، قبل أن يصبح استبدال كثير من الأدوات القديمة بأخرى جديدة أكثر انتشاراً.

 

وبين صوت حجر الجلخ وشرر الحديد وحركة اليد الدقيقة، تواصل هذه الحرفة حضورها شاهدة على خبرة يدوية توارثتها أجيال من الحرفيين، استطاعت أن تعيد للأدوات حدتها وتطيل عمرها، وتحفظ في الوقت ذاته جانباً من ذاكرة المهن التقليدية.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع