العروبة – خاص
تبدأ لدى كثير من الأمهات بعد انتهاء الدوام المدرسي مرحلة ثانية من اليوم، تتوزع بين متابعة الواجبات والاختبارات وشرح ما لم يستوعبه الأبناء، وبين مسؤوليات المنزل والعمل ورعاية الأسرة، لتتحول المتابعة الدراسية في بعض الحالات إلى ساعات إضافية من التعليم داخل المنزل.
وبين أم عاملة يدفعها ضيق الوقت إلى الاستعانة بمعلمة خاصة، وأخرى متفرغة للمنزل تواجه كثافة الدروس والواجبات، يبرز سؤال حول الحدود الفاصلة بين دور الأسرة في دعم تعلم أبنائها ومسؤولية المدرسة عن التعليم، وكيف يمكن تحقيق التوازن دون أن تصبح الدراسة مصدراً دائماً للتوتر داخل الأسرة.
وفي رصد أجرته «العروبة» لآراء عدد من الأمهات، ظهرت تجارب مختلفة في التعامل مع هذه المسؤولية، فيما وضعت مشرفة تربوية مجموعة من النقاط التي تحدد طبيعة المتابعة الأسرية وحدودها، وأهمية انتقال الطفل تدريجياً نحو الاستقلال في دراسته.
ضيق الوقت يدفع إلى الاستعانة بمعلمة خاصة
قالت رغد، وهي أم موظفة، في حديثها لـ«العروبة»: «لدي ثلاثة أولاد، اثنان في مرحلة التعليم الأساسي، والكبير في المرحلة الثانوية. ساعات الدوام طويلة، ومعظم الأوقات أشعر بأنني مضغوطة ومتوترة، وليس لدي الوقت الكافي للجلوس معهم وتدريسهم، لذلك اضطررت إلى وضعهم لدى معلمة خاصة لمتابعتهم وتدريسهم».
أما سوسن، وهي ربة منزل، فأوضحت لـ«العروبة»: «رغم أنني متفرغة في المنزل لتربية أبنائي ومتابعة واجباتهم المدرسية، إلا أن ضغط كثافة المناهج والدروس والواجبات يبقى كبيراً، وأحياناً أجلس مع ابني أربع ساعات أو أكثر، ولاسيما في أوقات الامتحانات، عدا عن التوتر الذي أشعر به أثناء شرح الدرس ومحاولة متابعة استيعاب الولد».
مرحلة ثانية من يوم الأسرة
وأوضحت المشرفة التربوية رنا جبر، في حديثها لـ«العروبة»، أن متابعة الطفل بعد المدرسة أصبحت جزءاً حقيقياً من يوم الأسرة، مؤكدة أن الشراكة الأسرية في العملية التعليمية لا تعني أن تتحول الأم إلى «معلمة خاصة» لطفلها بعد انتهاء دوامها.
وقالت جبر: «الطفل يعود من المدرسة بعد ساعات من التركيز والتعلم والتفاعل، والأم أيضاً تكون قد قطعت جزءاً كبيراً من يومها بين العمل والمنزل والمسؤوليات، ثم تبدأ مرحلة ثانية من اليوم: هل درست؟ هل أنجزت واجبك؟ هل حفظت؟ هل فهمت؟ غداً لديك اختبار».
وأضافت أن هذه الصورة تستدعي التوقف عند سؤال تربوي أساسي: «هل نحن ندعم تعلم الطفل، أم أصبحنا ننقل جزءاً من مسؤولية التعليم من المدرسة إلى الأسرة؟»، مشيرة إلى أن الأسرة شريك أساسي في العملية التعليمية، لكن هذه الشراكة لا تعني أن تصبح الأم معلمة خاصة لطفلها بعد انتهاء يومها.
حين يصبح المنزل امتداداً للضغط المدرسي
وأشارت جبر إلى أن الطفل يحتاج بعد يومه المدرسي إلى الانتقال تدريجياً من أجواء المدرسة إلى المنزل، موضحة أن تكرار عبارات مثل «حل واجباتك، ادرس، لا تتأخر، عندك اختبار، لماذا لم تحفظ؟» قد يجعل المنزل نفسه مرتبطاً في ذهن الطفل بالضغط الدراسي.
ولفتت إلى أن المشكلة لا تكون دائماً في الواجب ذاته، وإنما في تراكم التعب وضيق الوقت والحاجة إلى إنجاز المهام قبل موعد النوم، فقد يحتاج الطفل إلى فترة راحة قصيرة، في الوقت الذي تشعر فيه الأم بأن الساعات المتاحة لا تكفي لإنجاز ما ينتظرها من مسؤوليات.
وبيّنت أن بعض السلوكيات التي يفسرها الأهل على أنها «كسل» أو «عناد» قد تكون أحياناً تعبيراً عن التعب أو الضغط أو الحاجة إلى الاستراحة.
عندما يتحول الواجب إلى صراع
ورأت جبر أن أداء الواجب قد يتحول في بعض الحالات إلى صراع بين الأم والطفل، إذ تريد الأم المحافظة على مستواه الدراسي وتخشى تراجعه، لكنها تواجه في الوقت نفسه أعمال المنزل وربما العمل خارجه ومسؤوليات أخرى.
وأوضحت أن الطفل، من جهته، يريد اللعب والراحة، وقد لا يمتلك بعد القدرة الكافية على تنظيم وقته بنفسه، فتبدأ المتابعة بعبارة هادئة مثل «يلا حبيبي، خلينا ندرس»، ثم قد تتطور إلى «قلت لك ادرس»، وصولاً إلى الصراخ أو البكاء أو العقاب.
وقالت جبر: «هنا تصبح المشكلة أكبر من الواجب نفسه»، مؤكدة أن المطلوب ألا تصبح الأم في ذهن الطفل «الشخص الذي يأتي في نهاية اليوم ليحاسبه على كل شيء»، وإنما أن تبقى داعمة وموجهة، مع مساعدته تدريجياً على تحمل مسؤولية تعلمه.
العلامات ليست الصورة الكاملة للطفل
وحذرت جبر من تأثير الضغط الدراسي المستمر في علاقة الطفل بوالديه، موضحة أن اقتصار معظم الحوار داخل الأسرة على المدرسة والعلامات والواجبات قد يجعل العلاقة نفسها مرتبطة في ذهن الطفل بتحصيله الدراسي.
وأكدت أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأن أهله يحبونه لشخصه، وليس فقط لأنه حصل على علامة مرتفعة أو أنهى واجبه بسرعة، وقالت: «أنا لا أقول إن العلامات غير مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة للطفل. نحن نربي إنساناً، وليس ورقة علامات».
ورأت أن نتائج الضغط المستمر قد تتجاوز كراهية الطفل لمادة دراسية معينة إلى تأثر علاقته بأمه أو أبيه بسبب الدراسة، معتبرة أن ذلك يمثل «ثمناً تربوياً كبيراً» ينبغي تجنبه.
من متابعة الدراسة إلى تعليم الطفل كيف يدرس
وفرقت جبر بين «المتابعة والسيطرة»، موضحة أن المتابعة الصحيحة تعني معرفة ما لدى الطفل من مهام، ومساعدته على تنظيم وقته، وسؤاله عما إذا كان يحتاج إلى مساعدة، دون الجلوس إلى جانبه طوال فترة الدراسة.
وأكدت أهمية منح الطفل فرصة للمحاولة والخطأ، ثم تقديم المساعدة عند الحاجة، مشيرة إلى ضرورة الانتقال تدريجياً من «أنا أدرس ابني» إلى «أنا أعلّم ابني كيف يدرس».
وأوضحت أن الهدف النهائي ليس بقاء الطفل محتاجاً إلى أمه حتى ينهي واجباته، وإنما الوصول تدريجياً إلى مرحلة يستطيع فيها تنظيم دراسته وتحمل مسؤوليتها بما يتناسب مع عمره.
وشددت على ضرورة وجود وقت للراحة والنوم واللعب والحركة والحديث مع الأسرة، إضافة إلى القراءة الحرة التي ينبغي ألا تتحول بدورها إلى واجب إضافي.
المتابعة مسؤولية أسرية مشتركة
وأشارت جبر إلى وجود أبعاد اجتماعية وثقافية وراء تحمل الأم الجزء الأكبر من المتابعة الدراسية في كثير من الأسر، إذ تتولى التفاصيل اليومية المتعلقة بالأبناء، من مواعيد المدرسة والواجبات والاختبارات إلى الطعام والنوم والملابس والتواصل مع المعلمين ومتابعة المستوى الدراسي.
وأضافت أنه حتى عندما يكون الأب شريكاً في المسؤولية، تبقى المتابعة اليومية التفصيلية غالباً على عاتق الأم، لذلك رأت أن الحل لا يكمن في مطالبتها بعدم متابعة أبنائها، وإنما في اعتبار المسؤولية مشتركة بين أفراد الأسرة، على أن يتحمل الأبناء أنفسهم، مع تقدمهم في العمر، جزءاً متزايداً من مسؤولية تعلمهم.
كثرة الواجبات لا تعني جودة التعلم
وفيما يتعلق بحجم الواجبات المنزلية، رأت جبر أن كثرتها لا تعني بالضرورة جودة التعلم، إذ قد يحقق واجب صغير مصمم بطريقة جيدة هدفاً تعليمياً واضحاً بصورة أفضل من صفحات كثيرة ينجزها الطفل دون فهم.
ودعت إلى النظر في الهدف من الواجب، ومدى حاجة الطفل إلى حجم التدريب المطلوب، ومدى تناسب المهمة مع عمره وقدراته وإمكانية إنجازها بصورة مستقلة، إضافة إلى الوقت الذي تحتاج إليه.
ولفتت إلى أن الطالب لا يدرس مادة واحدة فقط، وقد يرى كل معلم أن الواجب الذي يقدمه بسيط، لكن مجموع الواجبات يمكن أن يضع الطفل في نهاية اليوم أمام ساعات من العمل الدراسي.
التنسيق بين المعلمين يخفف العبء
واعتبرت جبر أن التنسيق بين المعلمين يمثل نقطة أساسية في تخفيف الحمل الدراسي على الطالب والأسرة، بحيث لا ينظر كل مدرس إلى الواجب الذي يطلبه بمعزل عن بقية المواد.
وأوضحت أن إعطاء خمسة معلمين، على سبيل المثال، واجبات يراها كل منهم «بسيطة»، قد يضع الطالب في نهاية اليوم أمام خمس مهام تحتاج إلى ساعات لإنجازها، مؤكدة أهمية أن تراعي المدرسة الحمل الدراسي الكلي على الطالب، ولاسيما في الصفوف التي تضم عدداً كبيراً من المواد.
أين ينتهي دور المدرسة وأين يبدأ دور الأسرة؟
وأكدت جبر أن المدرسة مسؤولة عن التعليم بما يشمله من شرح وتدريب وتقويم واكتشاف نقاط الضعف ومعالجة الصعوبات، بينما يتمثل دور الأسرة في توفير البيئة المناسبة، ودعم الطفل وتنظيم وقته وتشجيعه والتواصل مع المدرسة عند ظهور مشكلة.
وأضافت: «إذا كان الطفل لا يستطيع إنجاز واجبه إلا بوجود الأم إلى جانبه لساعات، فعلينا أن نتساءل: هل نحن أمام واجب منزلي، أم أمام درس يحتاج إلى أن يشرح من جديد في المنزل؟».
وشددت على أن الأسرة لا ينبغي أن تتحمل مسؤولية تعليم الطفل نيابة عن المدرسة، مؤكدة أن «الواجب المنزلي يجب أن يكون امتداداً لما تعلمه الطفل، وليس بديلاً عن التعليم الذي لم يحصل عليه».
الأم ليست مطالبة بأن تكون مثالية
وفي رسالتها إلى الأمهات، قالت جبر إنها تتفهم رغبة الأم في رؤية ابنها ناجحاً، وما قد يرافق ذلك من ضغط تفرضه على نفسها وعلى طفلها، وأضافت: «ليس مطلوباً منكِ أن تكوني أماً مثالية، ومعلمة مثالية، ومديرة منزل مثالية في الوقت نفسه».
وأكدت أن الطفل يحتاج إلى أم يشعر معها بالأمان قبل أن يحتاج إلى أم تعرف جميع إجابات الكتاب، مشيرة إلى أن الهدف لا يقتصر على تحقيق التفوق الدراسي، وإنما يمتد إلى بناء أبناء مستقلين وواثقين بقدراتهم ومحبين للتعلم وقادرين على تحمل المسؤولية.
وخلصت جبر إلى أن نجاح متابعة الأهل لا يقاس بعدد الساعات التي تقضيها الأم مع طفلها أمام الكتب، وإنما بقدرتها على مساعدته تدريجياً ليصبح أكثر استقلالية وثقة بقدرته على التعلم، بحيث تتحول المتابعة مع تقدمه في العمر من تدريس مباشر إلى توجيه ودعم وتنظيم.