العروبة – خاص
يتحول المسرح، عندما يدخل العملية التعليمية، من مساحة لتقديم العروض وحفظ النصوص إلى تجربة يشارك الطفل في بنائها، فيسأل ويتخيل ويجرب ويتفاعل مع الآخرين، ويكتسب من خلال ذلك أدوات للتعبير والحوار والثقة بالنفس، بعيداً عن الاقتصار على تلقي المعلومات وحفظها.
وعلى مدى أكثر من 11 عاماً، وظفت المعلمة هبة مفضي المسرح والدراما والدمى والقصة والخيال والتعلم باللعب في جلسات تعليمية وثقافية تفاعلية للأطفال واليافعين، وقدمت أكثر من 500 فعالية في المدارس والمراكز والفعاليات الثقافية في الأردن وسوريا.
وحملت مفضي إجازة جامعية «بكالوريوس معلم صف» عام 2018 من كلية العلوم التربوية والآداب الجامعية التابعة لـ«الأونروا» في عمّان، وبنت تجربتها على اعتبار الطفل شريكاً في العملية التعليمية، والوصول إليه من خلال الفضول والخيال والمشاعر قبل الانتقال إلى بناء المعرفة.
المسرح مساحة لاكتشاف الذات
أوضحت المعلمة هبة مفضي، في تصريح لـ«العروبة»، أن المسرح المدرسي لا ينبغي أن يقتصر على حفظ النصوص وتقديم العروض في المناسبات، بل يمكن أن يتحول إلى مساحة آمنة يكتشف الطفل من خلالها قدراته، ويتعلم التعبير عن أفكاره ومشاعره، ويختبر الوقوف أمام الآخرين دون الخوف من الخطأ.
وبيّنت أن الطفل عندما يؤدي شخصية أو يعيش موقفاً مسرحياً يصبح أكثر قدرة على التعبير والحوار واتخاذ القرار والتفاعل مع الآخرين، فيما تمنحه الدمى وتقمص الأدوار وسيلة إضافية للتعبير بحرية، ولا سيما عندما يجد صعوبة في الحديث المباشر عن مشاعره أو أفكاره.
الحوار بدلاً من الإجابة الجاهزة
وأشارت مفضي إلى أن الجلسات لا تقتصر على تدريب الطفل على الكلام، بل تساعده أيضاً على الاستماع وانتظار دوره وفهم وجهات النظر المختلفة واختيار الكلمات وطريقة التعبير.
ولفتت إلى أن تقمص الأدوار يتيح للطفل وضع نفسه مكان الآخرين وفهم مشاعرهم ومواقفهم، بينما تفتح القصة والمسرح واللعب أمامه مجالاً لطرح الأسئلة واقتراح الاحتمالات والحلول.
واعتمدت مفضي في جلساتها على تحفيز التفكير بدلاً من تكرار الإجابات المحفوظة، من خلال أسئلة من قبيل: «ماذا تعتقد؟ ماذا كنت ستفعل؟ لماذا؟ وكيف يمكن أن نصل إلى حل؟».
وقالت: «الطفل الذي يتخيل اليوم، ويطرح الاحتمالات ويبحث عن الحلول، هو طفل نساعده على أن يصبح أكثر قدرة على التفكير غداً».
قيم يتعلمها الطفل بالممارسة
ولفتت مفضي إلى أن العمل المسرحي الجماعي يتيح للطفل اختبار قيم التعاون والاحترام وتقبل الاختلاف وتحمل المسؤولية بصورة عملية، إذ يتعلم أن نجاح النشاط لا يرتبط بدور واحد، وإنما بتكامل أدوار المجموعة.
وأضافت أن الحديث والاستماع وانتظار الدور والمساعدة ومراعاة مشاعر الآخرين تتحول داخل النشاط إلى ممارسات يعيشها الطفل، معتبرة أن القيمة التي يختبرها في موقف حقيقي تكون أكثر رسوخاً من تقديمها له على شكل تعريف نظري.
ومن هذا المنطلق، رأت أن المسرح والدراما واللعب يمكن أن تكون أدوات مدمجة في العملية التعليمية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أنشطة جانبية أو منفصلة عن التعلم.
من النشاط الاحتفالي إلى أداة للتعليم
ورأت مفضي أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المسرح المدرسي يتمثل في النظر إليه أحياناً بوصفه نشاطاً جانبياً أو فقرة احتفالية، إلى جانب الاعتماد المفرط على الحفظ والتلقين، الأمر الذي قد يجعل الطفل منشغلاً بتذكر النص بدلاً من عيش التجربة والتفاعل معها.
واقترحت تطوير المسرح المدرسي عبر تغيير النظرة إليه وتدريب المعلمين على توظيفه في العملية التعليمية، إلى جانب تقديم أنشطة تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة والاستفادة من المسرح التفاعلي والدمى وتقمص الأدوار والقصص، مع منح الأطفال مساحة للارتجال والتعبير والابتكار.
وأكدت إمكانية إدخال المسرح في مجالات تعليمية وثقافية مختلفة، وقالت: «نستطيع أن نحول المعلومة إلى قصة، والقصة إلى موقف، والموقف إلى حوار، والحوار إلى تجربة يعيشها الطفل».
أكثر من 500 فعالية
واستندت تجربة مفضي إلى أكثر من 11 عاماً من العمل في الجلسات التعليمية والثقافية للأطفال واليافعين، قدمت خلالها أكثر من 500 فعالية، كان جزء كبير منها تطوعياً، إلى جانب مشاريع نفذتها مهنياً في الأردن وسوريا.
وعملت لمدة ثلاث سنوات محرّكة دمى في برنامج «أهلاً سمسم» على قناة MBC3 ضمن ثلاثة مواسم، وحصلت على شهادة في تحريك الدمى الاحترافي من «شارع سمسم» الأمريكي Sesame Street، إضافة إلى رخصة مدربة دولية معتمدة.
كما اختيرت ضمن 100 شخصية أردنية مؤثرة عن فئة المبادرات في عمّان، في كتاب «قلب عمّان» التابع لبرنامج الأمم المتحدة، وعملت في معرض عمّان الدولي للكتاب عام 2019، واستضافتها قنوات تلفزيونية وإذاعات أردنية للحديث عن مشروعها ومبادراتها.
أربع سنوات من العمل في حمص
وخلال السنوات الأربع الماضية، نقلت مفضي تجربتها إلى حمص، وقدمت جلسات وفعاليات للأطفال واليافعين في المدارس والروضات والمراكز الثقافية والنوادي الصيفية، وشاركت في أنشطة مع فرق تطوعية وجهات ثقافية ومجتمعية.
وقدمت كذلك جلسات للأطفال والأمهات في مراكز مديرية الصحة بحمص ضمن حملات توعية، وعملت مؤخراً مع مديرية ثقافة حمص مرشدة ثقافية وميسّرة لأنشطة الأطفال في المجمع الثقافي.
وكانت من أوائل المشاركين في استقبال المدارس وتعريف الأطفال والطلاب بالمجمع، وأسهمت في إطلاق فكرة الفعاليات والجلسات فيه خلال تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول 2025.
وامتدت مشاركاتها إلى جلسات لليافعين في المركز الثقافي بحمص، وفعاليات في معرض دمشق الدولي للكتاب بدعوة من فريق ومؤسسة «أبجد للتعليم»، إضافة إلى مهرجان نيسان حمص ومهرجان «صيف سوريا.. حمص تجمعنا»، فضلاً عن أنشطة في المدارس ومراكز الأطفال والنوادي الصيفية.
التعليم يبدأ من الفضول
وأوضحت مفضي أن مشروعها في سوريا لم يهدف إلى تقديم نشاط ترفيهي للأطفال فحسب، وإنما إلى نشر الوعي بأهمية الجلسات التعليمية والثقافية التفاعلية، ومساعدة المعلمين والتربويين على توظيف أساليب تعليمية أكثر جذباً وتأثيراً.
واعتمد المشروع على القصة والمسرح والدمى وتقمص الأدوار والألعاب الحركية والخيال والحوار وحل المشكلات، لتحفيز الطفل على السؤال والبحث والاكتشاف والتفكير، وربطه بمجتمعه وبيئته وتراثه، وتعريفه بثقافته والطبيعة المحيطة به، وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء والوعي بدوره تجاه مجتمعه وبيئته.
واختصرت مفضي فلسفة تجربتها بالقول إن المسرح «ليس أن نجعل الطفل ممثلاً فقط، وإنما أن نساعده ليكون طفلاً أكثر ثقة، وأكثر قدرة على التعبير، وأكثر خيالاً، وأكثر تفكيراً وتعاوناً».
وأكدت أن جوهر مشروعها هو أن «نحلق مع الأطفال إلى عوالم ساحرة، نلامس فيها قلوبهم أولاً، ثم نوقظ عقولهم بالدهشة والسؤال والتجربة».
وتقدم هذه التجربة نموذجاً لاستخدام المسرح بوصفه أداة تعليمية تتجاوز العرض أمام الجمهور، ليصبح الطفل طرفاً فاعلاً في عملية التعلم، وتتحول القصة واللعب والخيال والحوار إلى وسائل تساعده على بناء المعرفة والتعبير عن نفسه والتفاعل مع الآخرين.