العروبة – خاص
حمل تياترو الروضة في مدينة حمص، المعروف أيضاً باسم «دار الأوبرا»، جانباً مهماً من ذاكرة الحياة الفنية والثقافية في المدينة خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، إذ لم يقتصر حضوره على طرازه المعماري وتجهيزاته المتقدمة بمقاييس تلك المرحلة، بل تحول إلى مساحة استقبلت عروضاً مسرحية وموسيقية ومحاضرات أدبية وفكرية، واعتلى خشبته عدد من أبرز الأسماء العربية.
وأوضح المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية في حمص، في تصريح لـ«العروبة»، أن تشييد مبنى تياترو الروضة بدأ عام 1925، قبل أن يُفتتح رسمياً عام 1928 في شارع شكري القوتلي بالقرب من ساحة الساعة الجديدة، ليصبح واحداً من المعالم البارزة في المشهد العمراني والثقافي للمدينة.
طراز إيطالي وتجهيزات متقدمة
وأشار الدويري إلى أن مبنى تياترو الروضة تميز بطابع معماري إيطالي، إذ صُمم المسرح والتراس وفق هذا الطراز، فيما استُوردت أجهزة الصوت والإنارة والمؤثرات الفنية والديكورات الخاصة به مباشرة من إيطاليا.
وبيّن أن المسرح زُوّد أيضاً بمولدة كهربائية خاصة، وهو ما جعله من المباني المتقدمة من حيث التجهيزات والتقنيات المستخدمة في حمص خلال تلك المرحلة.
وأضافت الشرفة الشرقية المطلة على خشبة المسرح عنصراً معمارياً مميزاً إلى المبنى، الذي ارتبط في ذاكرة المدينة باسم «دار الأوبرا»، بما يعكس طبيعة النشاط الفني الذي احتضنه ومكانته آنذاك.
أسماء عربية على خشبة الروضة
ولم يقتصر دور تياترو الروضة على كونه مبنى مخصصاً للعروض، بل تحول إلى مركز للحياة الفنية في حمص، واستقبل فنانين وفرقاً مسرحية تركت حضوراً بارزاً في تاريخ الفن العربي.
وأوضح الدويري أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أحيا على خشبة تياترو الروضة حفلاً عام 1930، كما استضاف المسرح أسماء مثل أمينة رزق ومنيرة المهدية، إلى جانب فرق نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين.
وتكشف هذه المشاركات عن موقع حمص ضمن حركة العروض الفنية التي كانت تنتقل بين المدن العربية في تلك المرحلة، وعن الدور الذي أداه المسرح في تعريف جمهور المدينة بتجارب موسيقية ومسرحية مختلفة.
من المسرح إلى الأدب والفكر
وامتد نشاط تياترو الروضة إلى اللقاءات والمحاضرات الأدبية والفكرية، ليصبح فضاءً يجمع أشكالاً متعددة من النشاط الثقافي إلى جانب الموسيقا والمسرح.
ولفت الدويري إلى أن المسرح استقبل نخبة من الشخصيات السورية والعربية، وكان من أبرز محطاته محاضرة ألقاها عميد الأدب العربي طه حسين حول الشاعر الحمصي ديك الجن، في واحدة من الفعاليات التي بقيت مرتبطة بتاريخ المكان وذاكرة الحياة الثقافية في المدينة.
ذاكرة مرحلة من تاريخ حمص
وتتجاوز أهمية تياترو الروضة قيمته بوصفه مبنى معمارياً شُيد قبل نحو قرن، إذ تختزن حكايته جانباً من تاريخ النشاط الفني والأدبي في حمص، حين كانت خشبته نقطة لقاء بين جمهور المدينة وفنانين وأدباء وفرق مسرحية عربية.
وبين تاريخ تشييده عام 1925 وافتتاحه عام 1928 وما احتضنه لاحقاً من حفلات وعروض ومحاضرات، بقي تياترو الروضة جزءاً من الذاكرة الثقافية لحمص، وشاهداً على مرحلة كان فيها المسرح أحد المراكز الأساسية للحياة الفنية والفكرية في المدينة.