العروبة – خاص
تحمل «الحطّة» جانباً من تاريخ صناعة النسيج اليدوي في حمص، فهي قطعة ارتبطت بالزي التراثي للمرأة وبحرفة عرفت بها المدينة وأسواقها وحرفيوها، قبل أن تتراجع تدريجياً مع تغير أنماط الحياة وانخفاض الطلب على المنتجات اليدوية.
واليوم، يواصل الحرفي سامي النداف العمل على نول خشبي يقدر عمره بنحو مئة عام، بعد مسيرة امتدت قرابة ستة عقود، محافظاً على أسرار حرفة تعلمها منذ طفولته وتوارثها عن والده، في وقت تواجه فيه صعوبات تتعلق بتراجع عدد العاملين وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التسويق وعزوف الأجيال الجديدة عن تعلمها.
«الحطّة» جزء من الزي التراثي
وأوضح الحرفي سامي النداف، في حديثه لـ«العروبة»، أن صناعة النسيج اليدوي امتلكت حضوراً واسعاً في حمص خلال مراحل سابقة، واشتهر بها عدد كبير من حرفيي المدينة، قبل أن يتراجع نشاطها مع انتشار المنتجات الصناعية وتغير احتياجات المستهلكين.
وبيّن أن «الحطّة»، المعروفة أيضاً باسم «العُصبة»، ارتبطت بالزي التراثي، ولا سيما مع «الصاية»، وتميزت بألوانها ونقوشها الخاصة، ومنها الأحمر الخمري والزخارف الهندسية والخيوط المقصبة بالذهبي.
وأشار إلى أن استخدام «الحطّة» لم يعد مقتصراً على وظيفتها التقليدية، إذ تحولت بعض القطع لدى المهتمين بالموروث الشعبي إلى مقتنيات تراثية وزخرفية تحتفظ بقيمتها المرتبطة بتاريخ اللباس والحرفة في حمص.
نول مئوي يواصل العمل
وبدأ ارتباط النداف بالنول منذ طفولته، قبل أن يؤسس نوله الخاص ويواصل العمل في المهنة لنحو ستين عاماً، وأوضح أنه كان يمتلك ثلاثة أنوال في حي الحميدية بمدينة حمص، إلا أنه فقد اثنين منها خلال سنوات الحرب، فيما تمكن من الاحتفاظ بنول واحد يقدر عمره بنحو مئة عام، وما يزال يستخدمه في صناعة المنسوجات التراثية.
وتقوم آلية النول اليدوي على تشابك مجموعتين من الخيوط، الأولى طولية وتعرف بخيوط «السدى»، والثانية عرضية وتعرف بخيوط «اللحمة»، وتمرر بواسطة المكوك، بينما يستخدم المشط الخشبي لترتيب الخيوط وتثبيتها بعد كل تمريرة حتى يكتمل النسيج.
خصوصية النول الحمصي
ولفت النداف إلى أن النول الحمصي يتميز بطريقة العمل وعدد المكوكات وإمكانية تنفيذ مجموعة من الرسوم والزخارف، ما أتاح للحرفيين إنتاج أصناف متعددة من المنسوجات.
وشملت المنتجات أغطية المفروشات والشراشف والمناشف والعبي والبسط والسجاد، إلى جانب «الصايات» و«الحطايط» المرتبطة بالزي التقليدي، فضلاً عن أصناف مختلفة من الأقمشة الحريرية.
كما عرفت حمص، بحسب النداف، بصنعة «القصبجية» القائمة على حياكة الأنسجة الحريرية الموشاة بالقصب أو الخيوط الفضية والذهبية، وهي حرفة تحتاج إلى مهارة ودقة في ترتيب الخيوط وتنفيذ الزخارف.
آلاف العاملين على أنوال حمص
واستعاد النداف مرحلة ازدهار صناعة النسيج اليدوي في حمص، مشيراً إلى أن عدد العاملين فيها وصل في إحدى الفترات إلى نحو 10 آلاف عامل كانوا يتناوبون على قرابة 4000 نول.
وأضاف أن بلدة الزارة قرب تلكلخ شكلت بدورها مركزاً لصناعة السجاد اليدوي، وضمت في مرحلة سابقة أكثر من 200 نول، أنتجت آلاف القطع شهرياً ووفرت العمل لمئات النساء.
ولم يقتصر الإنتاج الحمصي على «الحطّة»، بل شمل «الديما» و«الصايات» و«الملايا» المصنوعة من الحرير الطبيعي والفوط المقصبة والشراشف والعبي والمناشف، وغيرها من المنتجات التي اعتمدت على العمل اليدوي.
تفاصيل يصعب تعويضها بالآلة
وأكد النداف أن قيمة القطعة اليدوية ترتبط بطريقة إنتاجها وما تحتاج إليه من ترتيب للخيوط والمكوكات وتنفيذ الزخارف، مشيراً إلى أن بعض التصاميم تستغرق وقتاً طويلاً حتى تكتمل.
ورأى أن الأنوال الحديثة، رغم سرعتها وطاقتها الإنتاجية، لا تحاكي بسهولة بعض التفاصيل الهندسية والزخرفية التي يمكن تنفيذها على النول اليدوي، وخصوصاً في القطع التي تدخل الخيوط الذهبية والمقصبة في تكوينها.
وأوضح أن جزءاً كبيراً من المواد الأولية ما يزال متاحاً في الأسواق المحلية، ومنها خيوط الحرير والقصب، فيما ارتبط إنتاج الحرير بمناطق عرفت بهذه الصناعة، ومنها الدريكيش وطرطوس.
الحرفة تبحث عن متدربين
وتواجه المهنة، بحسب النداف، مجموعة من التحديات في مقدمتها عزوف الشباب عن تعلم الحرف اليدوية وارتفاع أسعار المواد الأولية وتراجع الطلب، إضافة إلى صعوبة تسويق منتجات تحتاج إلى وقت وجهد أكبر مقارنة بالمنتجات المصنعة آلياً.
وأكد أن الحفاظ على صناعة النسيج اليدوي يتطلب تدريب جيل جديد على أسرار النول، إلى جانب توفير فرص لعرض المنتجات في الأسواق والمعارض ومنصات التسويق داخل سوريا وخارجها.
وأشار إلى وجود مساعٍ للتنسيق مع الجمعية الحرفية لإيجاد متدربين قادرين على تعلم المهنة والاستمرار فيها، موضحاً أن البداية لا تحتاج بالضرورة إلى أعداد كبيرة، وقال: «لو استطعنا تدريب شخصين فقط، لكان ذلك كافياً لضمان استمرار الحرفة».
استمرار الحرفة مرهون بنقل المعرفة
ويضع تراجع عدد العاملين بالنول اليدوي حرفة «الحطّة» وغيرها من المنسوجات الحمصية أمام تحدٍ يتجاوز الحفاظ على المنتجات القديمة إلى الحفاظ على المعرفة نفسها؛ فمهارات تشغيل النول وترتيب الخيوط وتنفيذ النقوش لا يمكن صونها من خلال عرض القطع التراثية وحدها.
ويبقى تدريب حرفيين جدد وتوفير قنوات لتسويق منتجاتهم العامل الأهم لاستمرار هذه المهنة، بما يحافظ على جزء من التراث الحرفي لحمص ويمنح النول اليدوي فرصة للانتقال من جيل إلى آخر بدلاً من تحوله إلى شاهد على حرفة توقفت عن الإنتاج.