قبل أن تضغط «مشاركة».. كيف نشارك في نشر التحريض دون أن ندرك؟

العروبة – خاص

تبدأ أحياناً بصورة مجهولة المصدر، أو مقطع فيديو مبتور، أو تسجيل صوتي لا يعرف صاحبه، أو منشور يحمل اتهاماً لفئة كاملة. يراه المستخدم، يغضب مما يتضمنه، ثم يضغط زر «مشاركة» معتقداً أنه ينقل معلومة أو يحذر الآخرين، من دون أن يتوقف طويلاً أمام سؤال بسيط: ماذا لو كانت هذه المشاركة جزءاً من نشر التحريض بدلاً من مواجهته؟

 

تزداد أهمية هذا السؤال في المجتمع السوري، حيث يمكن للمعلومات المضللة والخطابات القائمة على التصنيف المناطقي أو الديني أو الاجتماعي والسياسي أن تجد طريقها سريعاً إلى مساحات واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما لا يحتاج انتشارها إلى أن يكون كل من يشاركها مقتنعاً بمضمونها؛ فقد يكفي الفضول أو الغضب أو الرغبة في التحذير لمنحها جمهوراً جديداً.

 

وهنا تتحول مسؤولية مواجهة خطاب الكراهية من مهمة تقع على الإعلام والمؤسسات وصناع المحتوى وحدهم، إلى سلوك يومي يبدأ من المستخدم نفسه ومن القرار الذي يتخذه قبل الضغط على زر «مشاركة».

 

المشاركة لا تعني التأييد دائماً

 

قد يعيد شخص نشر محتوى محرض بهدف الاعتراض عليه أو إظهار خطورته، لكنه يمنحه في الوقت نفسه انتشاراً إضافياً، خصوصاً عندما يعيد نشر المادة الأصلية كاملة من دون سياق يوضح حقيقتها أو يحذر من مضمونها.

 

وتزداد المشكلة عندما تحتوي المادة على اتهامات جماعية أو أوصاف مهينة أو دعوات إلى الإقصاء والانتقام، إذ يؤدي تداولها المتكرر إلى إبقائها حاضرة أمام الجمهور، حتى عندما تكون نية بعض المشاركين انتقادها.

 

لذلك لا يتعلق السؤال فقط بـ«هل أوافق على هذا المنشور؟»، بل أيضاً بـ«ماذا سيحدث عندما أعيد نشره؟ ومن سيصل إليه؟ وهل أساعد على تصحيح معلومة أم أمنح محتوى محرضاً مساحة جديدة؟».

 

حين يسبق الغضب التحقق

 

يعتمد كثير من المحتوى المضلل أو المحرض على إثارة رد فعل سريع، إذ تحمل العناوين والصور والمقاطع الأكثر قابلية للانتشار عناصر تستفز الخوف أو الغضب أو الصدمة، ما يدفع المستخدم إلى التفاعل قبل التحقق.

 

وقد يكون الفيديو حقيقياً لكنه قديم، أو الصورة من مكان مختلف، أو التصريح مجتزأً من سياقه، أو الحساب الذي نشر الادعاء مجهولاً، إلا أن انتقال المحتوى بين عشرات الصفحات والمجموعات قد يمنحه مظهراً من المصداقية لا يستند بالضرورة إلى مصدر واضح.

 

ويصبح الخطر أكبر عندما تستخدم معلومة غير متحققة لإدانة جماعة كاملة أو تحميل منطقة أو طائفة أو فئة اجتماعية مسؤولية تصرف فرد أو مجموعة محدودة.

 

من الفرد إلى الجماعة

 

من أبرز المسارات التي يمكن أن تنقل النقاش من الخبر إلى خطاب الكراهية الانتقال من الحديث عن فعل محدد إلى إصدار حكم جماعي على أشخاص يشتركون مع صاحبه في هوية ما.

 

فالقول إن شخصاً ارتكب فعلاً أو إن جهة مسؤولة عن واقعة يختلف عن استخدام الحادثة لتوجيه اتهام إلى جميع أبناء منطقة أو جماعة دينية أو اجتماعية أو أي فئة أخرى.

 

وتساعد عبارات مثل «هؤلاء جميعاً» و«هم دائماً» وما يشابهها على تحويل الفرد إلى ممثل لجماعة بأكملها، ثم تحويل الجماعة إلى هدف للغضب. ومع تكرار هذه اللغة يصبح التعميم أكثر حضوراً، بينما تتراجع مساحة النظر إلى المسؤولية الفردية والوقائع المحددة.

 

المعلومة المضللة وقود للتحريض

 

ترتبط مواجهة خطاب الكراهية أيضاً بمواجهة المعلومات المضللة، لأن الشائعة قد تتحول إلى نقطة انطلاق لموجة من الاتهامات والتعليقات العدائية قبل ظهور حقيقتها.

 

وفي كثير من الحالات، يكون التصحيح أبطأ انتشاراً من الادعاء الأول، فيما تبقى نسخ المنشور أو الصور ومقاطع الشاشة متداولة حتى بعد حذف المصدر الأصلي.

 

لهذا تصبح عملية التحقق قبل النشر أكثر أهمية من محاولة تصحيح المحتوى بعد انتشاره، بدءاً من البحث عن المصدر الأصلي وتاريخ المادة ومكانها، مروراً بمقارنة المعلومات مع مصادر موثوقة، وصولاً إلى الامتناع عن المشاركة عندما يتعذر التأكد منها.

 

هل يكفي أن نكتب «للتنبيه»؟

 

إعادة نشر خطاب مهين أو محرض كاملاً تحت عبارة «للتنبيه» قد لا تكون الطريقة الأكثر فاعلية لمواجهته، لأن الجمهور يتلقى المحتوى الأصلي أيضاً، وقد يعيد بعض المستخدمين تداوله منفصلاً عن التحذير المرافق له.

 

ويمكن عند الحاجة إلى مناقشة ظاهرة أو تفنيد معلومة تقديم مضمونها بالقدر الضروري لفهم القضية، من دون إعادة إنتاج الإهانات أو العبارات التحريضية غير الضرورية، مع وضع المعلومات الصحيحة والسياق في المقدمة.

مسؤولية تبدأ قبل «المشاركة»

 

قبل إعادة نشر أي مادة مثيرة للغضب أو الخوف، يمكن التوقف أمام مجموعة أسئلة: من نشرها أولاً؟ هل أعرف تاريخها ومكانها؟ هل أملك مصدراً آخر يؤكدها؟ هل تتحدث عن أشخاص محددين أم تعمم الاتهام على جماعة كاملة؟ وهل ستساعد مشاركتي الجمهور على فهم الحقيقة أم ستوسع دائرة الغضب والتحريض؟

 

هذه الثواني القليلة قد تفصل بين نقل معلومة مفيدة والمساهمة، ولو من دون قصد، في انتشار محتوى يزرع العداء بين الناس.

 

الكلمة تبني.. والمشاركة مسؤولية

 

تأتي هذه القضية في صلب حملة «الكلمة تبني»، التي تركز على التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة، وتعزيز السلوك المسؤول في التعامل مع المحتوى، انطلاقاً من أن مواجهة الظاهرة لا تبدأ بعد انتشار الخطاب المؤذي فقط، وإنما قبل أن ينتقل من شاشة إلى أخرى.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع