العروبة – خاص
تكشف البنية المعمارية لدير مار جرجس الحميرا في منطقة وادي النصارى بريف حمص الغربي عن مراحل متعاقبة من تاريخ الموقع، تتداخل فيها المغارات والخلايا الصخرية القديمة مع الكنائس والأقبية والإضافات المعمارية اللاحقة، لتشكل سجلاً أثرياً يعكس تطور العمارة المسيحية في المنطقة عبر قرون طويلة.
ويقع الدير بالقرب من قلعة الحصن، ويضم عناصر معمارية تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، من العصر البيزنطي مروراً بالعصر المملوكي وصولاً إلى العصر العثماني، فضلاً عن ملحقات حديثة أضيفت إلى المجمع الديني خلال مراحل لاحقة.
وأوضحت رئيسة شعبة التنقيب في دائرة آثار حمص تريز ليون، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن أهمية دير مار جرجس الحميرا لا تقتصر على وظيفته الدينية الحالية، وإنما تشمل قيمته الأثرية والمعمارية، إذ تكشف مكوناته عن استمرارية العمارة المسيحية في سوريا عبر عصور متعاقبة، وتمثل كل طبقة معمارية مرحلة من تاريخ الموقع وتطوره.
النواة الأولى.. مغارة وخلايا للرهبان
وبيّنت ليون أن المعطيات الأثرية تشير إلى أن النواة الأولى لدير مار جرجس الحميرا كانت مغارة أو فراغاً صخرياً تحيط به خلايا للرهبان والنساك، وهو نمط ارتبط بأشكال الرهبنة المبكرة التي انتشرت في سوريا خلال القرون المسيحية الأولى.
وأضافت أن البناء يتضمن استخدام الحجر الكلسي المشذب، إلى جانب العقود والأقبية والاستفادة من التكوينات الصخرية الطبيعية، وهي عناصر تعكس تقاليد معمارية متجذرة في المنطقة منذ أواخر العصر الروماني والعصر البيزنطي، واستمر استخدامها في مراحل تاريخية لاحقة.
وتشكل هذه المكونات أقدم المستويات المعمارية في الدير، إذ نشأ المجمع الديني وتوسع تدريجياً حول النواة الصخرية الأولى، مع الاحتفاظ بعناصر من المراحل التي مر بها.
أربعة مستويات توثق تطور الدير
وأشارت ليون إلى أن العناصر الأثرية والمعمارية في دير مار جرجس الحميرا تتوزع على أربعة مستويات رئيسية، يوضح كل منها جانباً من تطور الموقع ووظائفه خلال المراحل التاريخية المتعاقبة.
ويضم المستوى الأول المغارة والخلايا الصخرية التي تمثل النواة الأولى للدير، فيما يتكون المستوى الثاني من الواجهة الجنوبية والباب الحجري القديم، الذي يشكل شاهداً على المدخل الأصلي للمجمع الديني.
أما المستوى الثالث فيضم الكنيسة القديمة العائدة إلى القرن الثالث عشر، وهي من أبرز العناصر المعمارية المرتبطة بمرحلة القرون الوسطى.
وتتميز الكنيسة بصحن واحد مسقوف بثلاثة أقبية مضلعة، إلى جانب إيقونسطاس خشبي مزخرف يفصل بين الهيكل وصحن الكنيسة، ويحمل مجموعة من الأيقونات الأثرية المهمة.
ويتمثل المستوى الرابع بالكنيسة الحديثة والإضافات المعمارية التي شهدها الدير خلال القرن التاسع عشر، وهي مرحلة تعكس اتساع المجمع الديني وتطور تخطيطه المعماري.
الكنيسة الحديثة.. توسع وتأثيرات معمارية جديدة
وأوضحت ليون أن الكنيسة الحديثة شُيدت بين عامي 1857 و1863، وفق تخطيط أكثر اتساعاً من الكنيسة القديمة، إذ قُسمت إلى ثلاثة أجنحة بواسطة صفوف من الأعمدة.
وتضم الكنيسة أقواساً مسننة ونوافذ علوية وقبة نصف دائرية، إلى جانب تأثيرات معمارية أوروبية، ولا سيما الطابع القوطي، بما يعكس تداخل أساليب البناء المحلية مع عناصر معمارية وافدة.
وبيّنت أن هذه المرحلة ارتبطت بتوسع الدير وتحوله إلى مجمع ديني أكبر، قادر على استيعاب الجماعة الرهبانية وأعداد متزايدة من الزوار، مع استمرار استخدام العناصر المعمارية الأقدم ضمن الموقع.
ويبرز هذا التنوع في أساليب البناء بوصفه إحدى الخصائص الأساسية للدير، إذ لا تنتمي مكوناته إلى فترة تاريخية واحدة، وإنما تعكس مراحل متتابعة من الإنشاء والتوسع والتعديل.
تحديات الحفاظ على الموقع
وفي ما يتعلق بواقع الحفاظ على الدير، أشارت ليون إلى أن تعدد طبقاته التاريخية يفرض تحديات خاصة أمام أعمال الترميم والصيانة، ولا سيما في ظل اختلاف المواد والعناصر المعمارية التي تعود إلى مراحل متباعدة زمنياً.
وأوضحت أن أبرز التحديات تتمثل في تأثر المواد الحجرية بالرطوبة وعوامل التجوية، وحساسية العناصر الزخرفية، إضافة إلى ضرورة مراعاة استمرار استخدام الدير مركزاً دينياً حياً.
وأكدت أن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى منهج متكامل يبدأ بالتوثيق المعماري والأثري، وإجراء مسح علمي لحالة المبنى، وتحديد أسباب التلف قبل المباشرة بمعالجة مظاهره.
كما شددت على أهمية استخدام مواد ترميم متوافقة مع المواد الأصلية، والحفاظ على العناصر التي تنتمي إلى مختلف المراحل التاريخية، بما يمنع فقدان الشواهد التي توثق تطور الموقع.
صون التاريخ مع استمرار الوظيفة الدينية
ولفتت ليون إلى ضرورة وضع برنامج دوري للمراقبة والصيانة، والعناية بالبيئة المحيطة بالدير، وتنظيم حركة الزوار والاستخدامات الحديثة، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحفاظ الأثري واستمرار الوظيفة الدينية للموقع.
وأوضحت أن ترميم دير مار جرجس الحميرا لا ينبغي أن يستهدف إعادته إلى صورة معمارية افتراضية تعود إلى مرحلة واحدة، لأن قيمته التاريخية ترتبط بتعدد طبقاته وما تحمله من شواهد على تطور البناء والاستخدام عبر القرون.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في الحفاظ على جميع المراحل التي مر بها الدير، من النواة الصخرية الأولى والكنيسة القديمة إلى التوسعات اللاحقة، باعتبارها أجزاء متكاملة من تاريخ الموقع.
وبذلك يمثل دير مار جرجس الحميرا نموذجاً لموقع أثري ما زال يؤدي وظيفته الدينية، فيما تحتفظ بنيته المعمارية بشواهد من عصور متعددة. وتبقى المحافظة على هذه الشواهد مرتبطة بأعمال توثيق وصيانة تراعي خصوصية كل مرحلة تاريخية، وتضمن استمرار استخدام الدير دون الإضرار بأصالته وقيمته الأثرية.