العروبة – خاص
تتجاوز مواجهة خطاب الكراهية في المجتمع السوري مسألة الحد من العبارات المسيئة أو التحريضية، لتشمل حماية الحقوق والحريات، وترسيخ المساواة بين المواطنين، ومعالجة آثار سنوات الحرب وفق مبادئ العدالة والمساءلة الفردية، بما يمنع تحول الخلافات والانتهاكات السابقة إلى مصادر جديدة للتمييز والانقسام.
وفي إطار حملة «الكلمة تبني»، التي أطلقتها الأكاديمية السورية للإعلام بالتعاون والشراكة مع وزارة الإعلام السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تبرز أهمية المقاربة الحقوقية في التمييز بين حرية التعبير المشروعة والتحريض الذي يهدد حقوق الآخرين وسلامتهم، إلى جانب مسؤولية الإعلام والمؤسسات المجتمعية في الحد من انتشار المعلومات المضللة والخطابات الإقصائية.
وأكد الحقوقي المعتصم بالله الكيلاني، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن ترسيخ المساواة في الحقوق والكرامة بين السوريين يشكل أساساً لمواجهة خطاب الكراهية، مشدداً على ضرورة حماية حرية التعبير والنقد السياسي، وتحقيق العدالة عن الانتهاكات وفق المسؤولية الفردية، بعيداً عن العقاب الجماعي أو إنتاج مظالم جديدة.
الاختلاف حق لا يبرر الإقصاء
وأوضح الكيلاني أن الاختلاف حق أساسي، ولا يجوز تحويله إلى ذريعة للتخوين أو الإقصاء، أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد ينتمون إليها.
وأشار إلى أن المجتمع السوري، بعد سنوات الحرب، يحتاج إلى خطاب يعترف بآلام الضحايا جميعاً، من دون توظيف هذه الآلام لتبرير الانتقام أو إعادة إنتاج الانقسام، مؤكداً أن الاعتراف بمعاناة المتضررين يجب أن يقترن باحترام حقوق الآخرين وعدم تعميم المسؤولية على أساس الانتماء.
وشدد على أهمية التمييز بين التعبير عن الرأي، بما فيه النقد السياسي، وبين التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف، محذراً من أن تتحول مكافحة خطاب الكراهية إلى وسيلة لإسكات المعارضين أو تقييد النقاش العام.
وبيّن أن أي قيود تُفرض على حرية التعبير يجب أن تكون محددة بالقانون، وضرورية ومتناسبة مع الغاية التي تستهدفها، وأن تخضع لرقابة قضائية مستقلة، بما يضمن حماية الحقوق والحريات في الوقت نفسه.
معايير للتمييز بين التعبير والتحريض
ولفت الكيلاني إلى أن المعايير الدولية، ومنها خطة عمل الرباط، تقدم إطاراً لتقييم الخطاب وتحديد مدى انطوائه على تحريض، استناداً إلى مجموعة من العوامل التي ينبغي النظر إليها مجتمعة.
وتشمل هذه العوامل سياق الخطاب، ومكانة المتحدث وتأثيره، وقصده، ومضمون الرسالة، ومدى انتشارها، واحتمال أن تؤدي إلى وقوع ضرر.
وأوضح أن اعتماد هذه المعايير يساعد على التمييز بين التعبير المسموح، حتى عندما يكون حاداً أو مثيراً للجدل، وبين التحريض الذي قد يهدد حقوق الآخرين وسلامتهم، ويحد من التعامل مع جميع أشكال الاختلاف أو النقد باعتبارها خطاب كراهية.
الإعلام ومسؤولية عدم تعميم الاتهام
وفي ما يتعلق بدور الإعلام، أكد الكيلاني أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية مباشرة في الحد من انتشار الخطابات الضارة، تبدأ بالتحقق من الأخبار والصور قبل نشرها، وتصحيح المعلومات المضللة بوضوح، وتجنب العناوين والتوصيفات التي تؤجج الانقسام.
وشدد على ضرورة عدم ربط الجرائم أو الانتهاكات بهوية جماعية، بحيث لا يتحول فعل ارتكبه فرد أو مجموعة محددة إلى اتهام لمجتمع بأكمله، لافتاً إلى أن طريقة صياغة الخبر وتقديم المعلومات قد تسهم في الحد من التحريض أو توسيع انتشاره.
كما دعا إلى إتاحة مساحة لأصوات متنوعة في التغطيات الإعلامية، وألا يقتصر دور وسائل الإعلام على نقل مظاهر الخلاف والتوتر، بل أن يشمل تسليط الضوء على قصص التعاون والتضامن بين السوريين، وإبراز الروابط المشتركة التي تجمعهم.
التربية والحوار وإعادة بناء الثقة
ورأى الكيلاني أن مواجهة خطاب الكراهية لا تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وحدها، وإنما تتطلب مشاركة المجتمع المدني والمدارس والقيادات الدينية والمحلية في نشر ثقافة الحقوق وتعزيز التفكير النقدي وتشجيع الحوار.
وأشار إلى أهمية المبادرات المشتركة التي تتيح التواصل بين مختلف فئات المجتمع، وتساعد على معالجة الصور النمطية والأحكام المسبقة، بما يسهم في إعادة بناء الثقة التي تأثرت خلال سنوات الحرب.
وأوضح أن التربية على احترام الحقوق والكرامة الإنسانية تمثل جانباً أساسياً من الوقاية من خطاب الكراهية، إلى جانب تنمية قدرة الأفراد على التحقق من المعلومات والتعامل النقدي مع المحتوى المتداول.
العدالة الانتقالية والمساءلة الفردية
وفي الجانب الحقوقي، أكد الكيلاني أن مواجهة خطاب الكراهية لا تكتمل من دون تحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات، على أن تستند هذه العملية إلى الأدلة والمسؤولية الفردية، بالتوازي مع حماية الضحايا وضمان حقهم في الإنصاف.
وشدد على أن تحميل المسؤولية يجب أن يرتبط بالأفعال المرتكبة والأدلة التي تثبتها، لا بالانتماءات الدينية أو الاجتماعية أو المناطقية، محذراً من أن تتحول إجراءات المحاسبة إلى مصدر لمظالم جديدة.
وبيّن أن تعزيز التماسك المجتمعي يتطلب الاعتراف بآلام الضحايا ومعالجة آثار النزاع بصورة منصفة، بدلاً من تجاهل هذه الآلام أو إسكات أصحابها، لأن ترك المظالم دون معالجة قد يسهم في استمرار التوتر والانقسام.
«الكلمة تبني».. حماية الاختلاف والكرامة
وفي سياق حملة «الكلمة تبني»، رأى الكيلاني أن رسالتها ينبغي ألا تقتصر على الدعوة إلى تجنب العبارات المسيئة، بل أن تسهم في ترسيخ ثقافة تسمح للسوريين بالاختلاف مع الحفاظ على حقوق بعضهم وكرامتهم.
وأكد أن المعنى الأساسي للحملة يتمثل في قدرة السوريين على إدارة خلافاتهم دون تخوين أو إقصاء، ودون أن يتحول الاختلاف إلى وسيلة لنزع الكرامة أو إنكار حق أي طرف في الانتماء إلى وطن واحد.
وأضاف أن بناء الثقة والتماسك المجتمعي يرتبط بتحقيق المساواة والإنصاف، والاعتراف بآلام الضحايا، وحماية حرية التعبير، ومواجهة التحريض، وضمان المساءلة وفق المسؤولية الفردية.
وتضع هذه المقاربة الحقوقية مواجهة خطاب الكراهية ضمن مسؤولية أوسع من ضبط المحتوى المتداول، إذ ترتبط بوجود ضمانات قانونية وممارسات إعلامية ومجتمعية تحمي حرية الاختلاف وتمنع التمييز، وتتيح معالجة آثار الماضي دون تحميل الأفراد مسؤولية انتماءاتهم أو الانتقاص من حقوقهم وكرامتهم.