مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان يدعو إلى إعلام مسؤول وعدالة انتقالية تحمي المجتمع من التحريض

العروبة – خاص

لا تكمن خطورة الاختلافات السياسية والدينية والاجتماعية في وجودها داخل المجتمع، وإنما في استغلالها للتحريض على جماعات بأكملها أو تحميلها مسؤولية أفعال أفراد منها، وهو ما يجعل مواجهة خطاب الكراهية في سوريا مرتبطة بحماية حرية التعبير، ومنع التمييز والعنف، وترسيخ مبدأ المسؤولية الفردية عن الانتهاكات.

وفي سياق حملة «الكلمة تبني» الهادفة إلى مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة وتعزيز التماسك المجتمعي، أكد المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب الجمع بين الضوابط القانونية والممارسات الإعلامية المسؤولة ودور مؤسسات الدولة والتعليم والعدالة الانتقالية.

الاختلاف حق والتحريض خطر على المجتمع

وأوضح عبد الغني أن الاختلاف السياسي والديني والاجتماعي والمناطقي أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي، وأن مواجهته أو محاولة إلغائه لا تشكل مدخلاً صحيحاً لمكافحة خطاب الكراهية.

وبيّن أن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى وصم جماعي أو نزع للإنسانية أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها بعض أفرادها، وصولاً إلى الدعوة لإقصائها أو التمييز ضدها أو ممارسة العنف بحقها.

وشدد على ضرورة التمييز بين التعبير عن الآراء، حتى عندما تكون قاسية أو مستفزة، وبين الخطاب الذي يتضمن تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، مؤكداً أن ليس كل خطاب حاد محظوراً من الناحية القانونية.

معايير قانونية للتمييز بين التعبير والتحريض

وأشار عبد الغني إلى أن تقييم الخطاب الذي يُشتبه في طابعه التحريضي لا يمكن أن يستند إلى الكلمات وحدها، بل يتطلب النظر في مجموعة من العوامل المرتبطة بالسياق الذي صدر فيه.

وتشمل هذه العوامل مكانة المتحدث ومدى تأثيره، وقصده، ومضمون الخطاب وشكله، وحجم انتشاره، واحتمال أن يؤدي إلى التمييز أو العداوة أو العنف، ومدى قرب تحقق تلك النتائج.

وأكد أن مواجهة خطاب الكراهية لا ينبغي أن تتحول إلى توسع غير منضبط في التجريم أو الرقابة، موضحاً أن حرية التعبير تبقى هي الأصل، وأن أي قيود تُفرض عليها يجب أن تستند إلى نص قانوني واضح، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع الخطر المراد منعه.

وحذر من استخدام قوانين مكافحة الكراهية لمعاقبة المعارضة السياسية أو تقييد العمل الصحفي أو إسكات ضحايا الانتهاكات، داعياً إلى حصر التجريم في الحالات الأشد خطورة التي تستوفي معايير التحريض.

المعلومات المضللة قد تغذي الكراهية

ولفت عبد الغني إلى أن المعلومات الكاذبة لا تُصنف تلقائياً ضمن خطاب الكراهية لمجرد عدم صحتها، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للتحريض عندما تُستخدم لإثارة الخوف من جماعة معينة أو ربط مكون اجتماعي بأكمله بجريمة ارتكبها أفراد.

وأضاف أن خطورة المعلومات المضللة تتزايد عندما تُوظف لتهيئة المناخ للانتقام أو لتبرير التمييز والعنف، ولا سيما في المجتمعات التي عانت نزاعات وانقسامات طويلة.

وتبرز هنا أهمية التحقق من المعلومات قبل نشرها أو تداولها، وعدم التعامل مع الشائعات والاتهامات غير المثبتة بوصفها حقائق يمكن البناء عليها في إصدار أحكام جماعية.

الإعلام أمام مسؤولية مهنية مضاعفة

وأكد عبد الغني أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية خاصة في الحد من خطاب الكراهية، نظراً إلى قدرتها على التأثير في الرأي العام، ولا سيما في مجتمع خرج من سنوات طويلة من الحرب.

وأوضح أن نشر اتهامات جماعية دون التحقق منها قد يؤدي إلى آثار اجتماعية تتجاوز الخطأ الصحفي، من خلال تغذية الصور النمطية وإثارة العداء بين المكونات المجتمعية.

ودعا إلى اعتماد قواعد مهنية واضحة تقوم على التحقق من المصادر والمعلومات، والفصل بين الخبر والرأي، وتصحيح الأخبار الكاذبة بسرعة ووضوح.

كما شدد على عدم نسبة جريمة ارتكبها شخص أو مجموعة مسلحة إلى طائفة أو منطقة أو قومية بأكملها، باعتبار أن المسؤولية عن الأفعال لا تنتقل تلقائياً من مرتكبيها إلى الجماعات التي ينتمون إليها.

وأشار إلى أن مسؤولية الخطاب تتعاظم عندما يصدر عن مسؤول عام أو شخصية تتمتع بنفوذ اجتماعي أو سياسي، بسبب اتساع قدرتها على التأثير في مواقف الجمهور وسلوكه.

مؤسسات الدولة مطالبة بالمعلومات الدقيقة والمساءلة

وفي ما يتعلق بدور مؤسسات الدولة، أكد عبد الغني ضرورة التزامها بخطاب خالٍ من التمييز والتحريض والانتقام، وتوفير معلومات دقيقة وموثوقة للمواطنين عند وقوع الأحداث الأمنية أو التطورات الحساسة.

وأوضح أن التأخر في تقديم المعلومات يتيح للشائعات والروايات المضللة الانتشار، ما قد يسهم في تأجيج التوترات المجتمعية.

ودعا إلى إيجاد آليات فعالة لتلقي الشكاوى ومحاسبة الموظفين العموميين الذين يستخدمون مواقعهم للتحريض أو التمييز، مع ضمان تطبيق القانون بمعايير موحدة، بصرف النظر عن هوية المتحدث أو الضحية أو انتمائهما.

التعليم والحوار مساران لمواجهة الكراهية

ورأى عبد الغني أن المعالجة القانونية والإعلامية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمواجهة خطاب الكراهية، ما يستدعي العمل على مسارات تربوية ومجتمعية طويلة الأمد.

وتشمل هذه المسارات تعزيز التربية على المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان واحترام التعددية، ودعم الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا.

كما دعا إلى فتح مساحات للحوار المحلي حول القضايا والمصالح المشتركة، بما يساعد على معالجة الخلافات بعيداً عن التصنيفات الجماعية والخطابات الإقصائية.

العدالة الانتقالية تمنع تعميم المسؤولية

ووضع عبد الغني العدالة الانتقالية في صميم الجهود الرامية إلى الحد من خطاب الكراهية، موضحاً أن تجاوز آثار سنوات القتل والاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري والنزوح يتطلب كشف الحقيقة وتحقيق المساءلة والإنصاف.

وشدد على ضرورة ألا تتحول المطالبة بالعدالة إلى انتقام جماعي أو تحميل مكونات اجتماعية مسؤولية انتهاكات ارتكبها أفراد أو أجهزة أو تنظيمات.

وأكد أن المسؤولية عن الانتهاكات «فردية وليست طائفية أو مناطقية أو قومية»، وأن محاسبة مرتكبي الجرائم يجب أن تستند إلى الأدلة وأن تتم في إطار محاكمات عادلة.

وبيّن أن تحقيق العدالة لا يتعارض مع حماية التماسك المجتمعي، بل يتطلب تحديد المسؤوليات بصورة دقيقة، بما يمنع تعميم الاتهامات أو استخدام الانتهاكات السابقة لتبرير انتهاكات جديدة.

«الكلمة تبني» لتعزيز المسؤولية الإعلامية والمجتمعية

وتأتي تصريحات عبد الغني ضمن حملة «الكلمة تبني»، التي أطلقتها الأكاديمية السورية للإعلام بالتعاون والشراكة مع وزارة الإعلام السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بهدف مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة.

وتركز الحملة على تعزيز الوعي بمخاطر المحتوى غير المسؤول، وتشجيع التحقق من المعلومات قبل تداولها، وترسيخ احترام الاختلاف والمسؤولية الرقمية.

كما تتناول مخاطر نشر المعلومات غير الدقيقة في الملفات الحساسة، بما فيها القضايا الاقتصادية، وتعمل على دعم التزام الكوادر الإعلامية بالمعايير المهنية في إعداد المحتوى ونشره.

وتشمل أنشطة الحملة مختلف المحافظات السورية، عبر وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية والفعاليات الميدانية، بمشاركة إعلاميين وصناع محتوى ومتخصصين في المجالات الثقافية والمجتمعية والشبابية.

وتؤكد المحاور التي طرحها عبد الغني أن الحد من خطاب الكراهية يرتبط بقدرة المؤسسات والإعلام والمجتمع على حماية حق الاختلاف دون السماح بتحويله إلى تحريض، وبترسيخ العدالة القائمة على المسؤولية الفردية بدلاً من الاتهامات الجماعية، بما يدعم بناء الثقة والتماسك بين أبناء المجتمع السوري.

المزيد...
آخر الأخبار
المكتب التنفيذي لمحافظة حمص يقر مشاريع خدمية واستثمارية ويعدل أسماء 34 شارعاً وساحة مجلس مدينة حمص يحيل موظفين إلى الرقابة الداخلية للتحقيق في واقعة متداولة الخرافات بين الموروث الشعبي والخوف من المجهول.. كيف تؤثر في قرارات الإنسان؟ أختام اللحوم في حمص.. أشكال وألوان تكشف نوع الذبيحة وخضوعها للفحص البيطري سوريا تعرض رؤيتها للتعافي التعليمي في منتدى دولي بالعاصمة الكينية نيروبي النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي