العروبة – خاص
استقبل الرئيس أحمد الشرع وعقيلته السيدة لطيفة الدروبي، الخميس، في قصر المهاجرين بدمشق، السيدة هالة شكري القوتلي، ابنة الرئيس الراحل شكري القوتلي، والسيدة إلهام محمد العايش، ابنة الوزير الأسبق محمد العايش، في لقاء استحضر محطات من التاريخ الوطني السوري، وأدوار الشخصيات التي أسهمت في الحياة السياسية خلال مرحلة الاستقلال وبناء مؤسسات الدولة.
اكتسب اللقاء دلالة تاريخية من مكان انعقاده، إذ يرتبط قصر المهاجرين بذاكرة الحكم في سوريا، وبالمرحلة التي تولى فيها شكري القوتلي رئاسة الجمهورية، ما أضفى على استقبال ابنته في القصر بعد عقود من تلك المرحلة بعداً رمزياً يتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة.
وجرى خلال اللقاء الحديث عن إسهامات الشخصيات الوطنية في الحياة السياسية السورية، واستحضار مرحلة شهدت نضال السوريين لإنهاء الانتداب الفرنسي وإرساء مؤسسات الدولة المستقلة، وما رافقها من تحولات سياسية شكلت جزءاً أساسياً من تاريخ سوريا الحديث.
شكري القوتلي.. من النضال ضد الانتداب إلى رئاسة الجمهورية
يُعد شكري القوتلي، المولود في دمشق عام 1891 والمتوفى عام 1967، من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ سوريا الحديث، وقد ارتبط اسمه بالحركة الوطنية التي واجهت الانتداب الفرنسي، وبالمرحلة التي انتقلت فيها البلاد إلى الاستقلال.
بدأ القوتلي نشاطه السياسي خلال أواخر العهد العثماني، ثم واصل مشاركته في العمل الوطني خلال الانتداب الفرنسي، وكان من الشخصيات البارزة في الكتلة الوطنية التي قادت جانباً مهماً من النضال السياسي من أجل استقلال سوريا.
وتولى رئاسة الجمهورية عام 1943، في مرحلة شهدت تصاعد المطالب بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي واستكمال السيادة الوطنية، قبل أن يتحقق جلاء آخر القوات الفرنسية في 17 نيسان 1946، وهو التاريخ الذي أصبح عيداً وطنياً للاستقلال.
واستمرت رئاسته الأولى حتى عام 1949، حين أطاح به انقلاب عسكري قاده حسني الزعيم، في واحدة من أبرز التحولات التي شهدتها الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال.
وعاد القوتلي إلى رئاسة الجمهورية عام 1955، في مرحلة اتسمت بتنافس القوى السياسية داخلياً وتصاعد التوجهات القومية العربية إقليمياً، واستمرت ولايته الثانية حتى عام 1958، عندما قامت الوحدة بين سوريا ومصر بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
وشكل تخلي القوتلي عن الرئاسة عند قيام الجمهورية العربية المتحدة محطة بارزة في مسيرته السياسية، وعكس مكانة مشروع الوحدة العربية في توجهاته خلال تلك المرحلة.
محمد العايش.. حضور دير الزور في الحياة السياسية السورية
أما محمد العايش، المولود في دير الزور عام 1880، فكان من الشخصيات السياسية التي برزت في الحياة العامة السورية خلال مرحلة بناء مؤسسات الدولة، ومثّل حضوراً لمحافظة دير الزور في العمل السياسي والإداري على المستوى الوطني.
بدأ العايش نشاطه في الشؤون المحلية، قبل أن يتولى مسؤوليات حكومية ومناصب وزارية، من بينها وزارتا الاقتصاد الوطني والزراعة، إضافة إلى توليه منصب وزير دولة في مراحل لاحقة.
وارتبط نشاطه السياسي بمرحلة شهدت فيها سوريا محاولات لتطوير مؤسساتها الاقتصادية والإدارية، وتعزيز مشاركة الشخصيات القادمة من مختلف المحافظات في إدارة الشأن العام.
وتقاطعت مسيرة العايش مع مرحلة رئاسة شكري القوتلي، إذ تشير المصادر التاريخية إلى استقباله الرئيس القوتلي خلال زيارة إلى دير الزور عام 1945، في واقعة تعكس الصلات السياسية بين القيادة المركزية والشخصيات المحلية خلال السنوات التي سبقت الجلاء الفرنسي.
ويبرز حضور العايش في التاريخ السياسي السوري جانباً من مشاركة أبناء المحافظات في الحياة الوطنية، وعدم اقتصار العمل السياسي والمؤسساتي في مرحلة الاستقلال على العاصمة دمشق وحدها.
قصر المهاجرين.. شاهد على مرحلة الاستقلال
وتبرز أهمية قصر المهاجرين في هذا اللقاء من ارتباطه المباشر بتاريخ الرئاسة السورية خلال مرحلة الاستقلال، إذ أصبح مقراً رسمياً للرئاسة مع تولي شكري القوتلي الحكم عام 1943، وشهد إدارة شؤون الدولة واستقبال الوفود والشخصيات السياسية والدبلوماسية.
واستمر استخدام القصر مقراً رئاسياً حتى عام 1975، قبل أن يتحول إلى دار للضيافة، محتفظاً بمكانته بوصفه أحد المواقع المرتبطة بتاريخ الدولة السورية الحديث.
ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة هالة شكري القوتلي إلى القصر الذي ارتبط بعمل والدها الرئاسي دلالة تاريخية خاصة، إذ تعيد إلى الواجهة مرحلة شهدت انتقال سوريا من الانتداب إلى الاستقلال، وما رافق ذلك من جهود سياسية لبناء المؤسسات الوطنية.
ذاكرة وطنية تجمع شخصيات من مراحل مختلفة
ويجمع اللقاء بين امتداد عائلي لشخصيتين شاركتا في الحياة السياسية السورية خلال مرحلة الاستقلال، وبين الرئاسة الحالية، في مناسبة أعادت تسليط الضوء على جانب من تاريخ الدولة ومؤسساتها.
كما يتيح استحضار سيرة القوتلي والعايش التعريف بمسارات مختلفة من العمل الوطني؛ تمثل الأولى في النضال السياسي ضد الانتداب وقيادة الدولة خلال الجلاء، فيما تعكس الثانية مشاركة الشخصيات المحلية في المسؤوليات الحكومية والإدارية خلال مرحلة بناء الدولة.
وتتجاوز أهمية هذه المحطات بعدها التاريخي، إذ تفتح المجال أمام إعادة التعريف بالشخصيات والأحداث التي أسهمت في تشكيل الحياة السياسية السورية، وتوثيق أدوارها ضمن الذاكرة الوطنية، بما يربط تاريخ الاستقلال بتطور مؤسسات الدولة عبر الأجيال.