العروبة – خاص
أكد الشاعر الدكتور ياسر الأقرع أن الثورة السورية شكّلت تحولاً جذرياً في تجربته الشعرية، إذ انتقل من كتابة القصائد الغزلية إلى جعل سوريا قضيته المحورية، لتصبح القصيدة تعبيراً عن آلام السوريين وآمالهم خلال سنوات الثورة.
وأوضح الأقرع، في حوار خاص مع «العروبة»، أن الثورة لم تكن بالنسبة إليه مجرد موضوع شعري، بل تجربة وجودية انعكست على رؤيته للشعر ودوره، فيما تركت الغربة والتهجير أثرهما العميق في موضوعات قصائده ولغتها.
وتناول الأقرع بداياته الشعرية، وأهمية الصدق في التجربة الإبداعية، وعلاقته بمدينة حمص التي وصفها بمدينة الحب والروح، إلى جانب تطلعه إلى اكتشاف عوالم شعرية جديدة.
الثورة السورية.. من الغزل إلى القضية الوطنية
استعاد الأقرع المرحلة التي سبقت الثورة السورية، موضحاً أن معظم قصائده آنذاك كانت تدور حول الحب والغزل، قبل أن تتغير اهتماماته الشعرية مع انطلاق الثورة وما رافقها من أحداث وتحولات.
وقال: «كنت قبل الثورة شاعراً غزلياً، وكانت معظم قصائدي في الحب. وعندما قامت الثورة، أصبحت سورية قضيتي المحورية».
وأشار إلى أن حجم الحدث التاريخي الذي عاشته سوريا فرض على القصيدة، من وجهة نظره، أن تكون حاضرة ومعبرة عن تطلعات الناس ومعاناتهم، متسائلاً عن قيمة الشعر إذا وقف على الحياد أمام حدث بهذه الأهمية.
واختصر علاقته بالثورة بقوله: «لم تكن الثورة بالنسبة إليّ موضوعاً شعرياً، بل كانت وجودي كله».
ورأى أن الشعر لا ينفصل عن حياة الإنسان وتحولاتها الكبرى، وأن التجربة الشخصية للشاعر يمكن أن تتحول إلى تعبير عن مشاعر جماعية تتجاوز حدود صاحبها.
الغربة والتهجير.. حنين يسكن القصائد
توقف الأقرع عند تجربة الغربة بوصفها أحد أبرز العوامل التي أثرت في كتابته الشعرية، مشيراً إلى أن الابتعاد عن الوطن ترك أثراً نفسياً عميقاً انعكس على أفكار قصائده وصورها ولغتها.
وأوضح أنه وجد في الأردن وطناً وأهلاً، ومساحة من الحرية أتاحت له التعبير عن الثورة السورية ومواكبة أحداثها شعرياً، إلا أن ذلك لم يخفف قسوة الابتعاد عن بلده.
وأضاف أن التهجير كان تجربة شديدة الوطأة على النفس، وأن الغربة ومأساة الشعب السوري شكلتا مصدراً أساسياً لقصائده خلال وجوده خارج البلاد.
وبيّن أن الحزن أصبح سمة واضحة في جانب كبير من تجربته، سواء على مستوى الموضوعات أو البناء الفني، مستشهداً بقصيدته «سوريتي» التي قال فيها:
بلدي.. أتيتكِ بالقصيدةِ متعباً غُصَّ الحنينُ وأدمعي أضحت فماً تعبتْ بنا الأيامُ.. واختنقَ المدى وشراعُ أهلكِ في الرياحِ تحطّما إنَّ المنافي مزّقت أرواحَنا صرنا بفقدِكِ ـ يا حبيبةُ ـ يُتما
وعكست هذه الأبيات جانباً من حضور الوطن في شعر الأقرع، حيث تداخلت مشاعر الفقد والحنين مع تجربة السوريين الذين عاشوا التهجير والابتعاد عن ديارهم.
حمص.. مدينة الحب والروح
وصف الأقرع مدينة حمص بأنها مساحة من الهدوء والسكينة والحياة، مؤكداً أن علاقته بها تجاوزت الارتباط بالمكان إلى مشاعر عميقة تجلت في قصائده.
وأشار إلى أن بيوت حمص وشوارعها وحاراتها ونوافذها حملت بالنسبة إليه إحساساً خاصاً بالحياة، واصفاً إياها بأنها «مدينة الحب».
واستشهد بقصيدته «لماذا حمص؟»، التي عبّر فيها عن محبته للمدينة ووجع الابتعاد عنها:
نسجنا في محبتها الحكايا وذوّبنا قصائدنا سنينا فلو عبرتْ على أهداب حرفٍ لأزهرتِ القصائدُ ياسمينا وكان فراقُها سكراتِ موتٍ وكيف لفقدها ألّا يكونا..؟! وحمصُ الروحُ، لولا فضلُ ربّي لكنّا دونها ماءً.. وطينا
وحضرت حمص في هذه الأبيات بوصفها جزءاً من هوية الشاعر وذاكرته، ومصدراً للمحبة والحنين، بما منح الكتابة عنها خصوصية في الإحساس والتعبير.
من الموهبة المبكرة إلى الدكتوراه في اللغة العربية
عاد الأقرع إلى بدايات علاقته بالشعر، موضحاً أن الموهبة ظهرت لديه منذ طفولته المبكرة، قبل أن يمتلك وعياً واضحاً بطبيعة الشعر وأدواته.
وأشار إلى أن الشعر كان هاجساً نفسياً رافقه منذ الصغر، إلى أن وجد طريقه إلى التعبير من خلال القصيدة.
وأضاف أن شغفه باللغة والشعر دفعه إلى دراسة اللغة العربية في جامعة حمص، حيث واصل تحصيله الأكاديمي حتى حصوله على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية.
ورأى أن الموهبة الشعرية تنبع من الاستعداد الفطري، فيما أسهمت الدراسة والمعرفة اللغوية في تطوير أدواته وتعميق تجربته.
الصدق ومراجعة القصيدة قبل النشر
اعتبر الأقرع أن الصدق أبرز ما ميّز صوته الشعري، سواء في التعبير عن الأفكار والمشاعر أو في البناء الفني للقصيدة.
وأوضح أنه لم يكن يتسرع في نشر نصوصه بعد كتابتها، بل كان يترك مسافة بين لحظة الإبداع الأولى ومرحلة المراجعة، حتى يتمكن من النظر إلى القصيدة بعين نقدية.
وأشار إلى أنه كان يستحضر بعد الانتهاء من الكتابة الناقد الذي بداخله، ويعمل على تهذيب النص ومراجعة تفاصيله قبل تقديمه إلى القراء.
وأكد أن احترام القارئ يقتضي العناية بالقصيدة فنياً ولغوياً، وألا تصل إليه إلا بعد أن تستوفي، وفق رؤيته، شروطها الجمالية.
وعبّر عن ذلك بقوله: «من حق القارئ على القصيدة ألا تخرج إليه إلا وهي بكامل أناقتها وترتيبها وجمالها».
الشعر يحوّل الوجع الشخصي إلى تجربة إنسانية
رأى الأقرع أن القصيدة الناجحة تستطيع تجاوز خصوصية التجربة التي انطلقت منها، لتلامس مشاعر الآخرين وتعبّر عن همومهم المشتركة.
وأوضح أن الحزن والفرح واليأس والأمل مشاعر إنسانية عامة، وأن الشاعر يستطيع من خلال المعالجة الفنية تحويل تجربته الفردية إلى صوت يعبر عن الآخرين.
وأشار إلى أن الشعر لا يكتسب قيمته من التعبير عن مشاعر صاحبه وحدها، بل من قدرته على الوصول إلى القارئ الذي يجد في القصيدة شيئاً من حياته وتجاربه.
واعتبر أن الشاعر فرد ينطق بلسان جماعي، وأن ارتباط القصيدة بالمشاعر الإنسانية المشتركة يمنحها القدرة على تجاوز حدود التجربة الفردية.
القصيدة شاهدة على الذاكرة السورية
أكد الأقرع أن الشعر يؤدي دوراً يتجاوز قيمته الأدبية والجمالية، باعتباره وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق التحولات التاريخية والاجتماعية.
واستند في رؤيته إلى مكانة الشعر في الثقافة العربية، حيث أسهم عبر العصور في نقل جوانب من حياة الناس وأحداثهم وتجاربهم إلى الأجيال اللاحقة.
ورأى أن الشعر السوري سيبقى شاهداً على الأحداث والمآسي التي عاشتها البلاد خلال سنوات الثورة، وعلى ما تحقق من تحولات، بما يسهم في حفظ جانب من الذاكرة الجماعية.
وأشار إلى أن القصيدة لا تكتفي برصد الأحداث، بل تعكس أيضاً أثرها في وجدان الناس، وتحفظ المشاعر الإنسانية المرتبطة بها.
البحث عن الجديد وعدم الاكتفاء بالتجربة السابقة
كشف الأقرع أن ما شغله شعرياً في المرحلة الحالية هو البحث عن الجديد والمختلف، بعيداً عن تكرار التجارب التي سبق له تقديمها.
وأكد أن الشاعر لا ينبغي أن يبقى أسير نجاحاته السابقة، بل عليه مواصلة البحث والتجريب وطرق أبواب إبداعية لم يسبق له دخولها.
واعتبر أن التجدد يمثل جزءاً أساسياً من استمرار التجربة الشعرية، وأن البحث عن الاختلاف والدهشة يمنح القصيدة قدرتها على التطور والتأثير.
وبين قصائد الثورة ووجع الغربة ومحبة حمص، تشكلت تجربة ياسر الأقرع الشعرية من محطات شخصية ووطنية متداخلة، فيما بقي البحث عن الجديد هاجسه الإبداعي، انطلاقاً من إيمانه بقدرة الشعر على التعبير عن الإنسان وحفظ ذاكرته ومشاركة الآخرين أحزانهم وآمالهم.