العروبة – خاص
أكد الدكتور الشاعر مروان بدر الدين عرنوس أن الشعر يتولد من الأحداث والتجارب الإنسانية، وأن المعاناة، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع انتزاع العزيمة والأمل من الإنسان، مشيراً إلى أن خمسة عشر عاماً قضاها في سجن تدمر تركت أثراً عميقاً في نفسه، وأسهمت في تشكيل تجربته الشعرية وتعزيز قدرته على التعبير عن الألم الإنساني.
وأوضح عرنوس، المنحدر من مدينة حمص، في حديث لـ«العروبة»، أن تجربته جمعت بين مهنته طبيباً اختصاصياً في الأمراض الداخلية واهتمامه بالشعر والرواية، إذ تناول في مؤلفاته قضايا إنسانية ووطنية، وتجارب السجن والمعاناة والحرية، إلى جانب التحولات التي شهدها المجتمع السوري.
وتحدث عن أبرز المحطات التي أثرت في مسيرته الأدبية، وانعكاسات سنوات السجن والحرب على رؤيته للإنسان والوطن، والعلاقة بين الطب والشعر، ودور الأدب في ملامسة قضايا الناس والتعبير عن آلامهم وآمالهم.
الموهبة الشعرية في مواجهة المعاناة
استعاد عرنوس بدايات تجربته الشعرية خلال المرحلة الثانوية، موضحاً أن موهبته ظهرت في سن مبكرة، حتى إن أحد الشعراء القديرين تنبأ له عام 1973 بأن يكون من كبار الشعراء في المستقبل.
وأشار إلى أن دخوله سجن تدمر عام 1980، وبقاءه فيه حتى نهاية عام 1995، شكّلا محطة مفصلية في حياته، وأسهمت تلك التجربة في تعميق موهبته الشعرية وتعزيز قدرته على التعبير.
وأضاف أنه امتلك موهبة شعرية ربما ورثها عن أخواله، إلا أن الظروف القاسية التي عاشها خلال سنوات السجن، وما تعرض له من تعذيب، تركت آثاراً نفسية عميقة انعكست على كتاباته.
ولفت إلى أن مشاهدته السجناء الذين كانوا يُساقون إلى أعواد المشانق، وما رافق تلك السنوات من رعب ومعاناة، زادت من إحساسه بالألم الإنساني، معتبراً أن تلك المشاهد «كفيلة بأن تجعل الحجر ينشد الشعر، فكيف بإنسان يمتلك الموهبة والإحساس؟».
الحرب وتحولات الرؤية إلى الإنسان والوطن
بيّن عرنوس لـ«العروبة» أن الأحداث والظروف المحيطة بالإنسان تؤثر في مشاعره ورؤيته للحياة، ولا سيما الشاعر الذي يتفاعل مع الوقائع ويحاول التعبير عنها من خلال قصائده.
وأوضح أن سنوات الحرب شهدت أحداثاً قاسية ومؤلمة، وأنه لم يتمكن من التعبير شعرياً عن جميع المشاهد التي رافقت قتل الأبرياء وتهجيرهم، رغم ما تركته من أثر عميق في نفسه.
وأشار إلى أن تلك التجارب غيّرت نظرته إلى بعض الناس، إذ كان يدرك حجم الممارسات الإجرامية داخل الأجهزة الأمنية والسجون، لكنه اكتشف لاحقاً، بحسب تعبيره، أن بعض المدنيين قد يفوقون مرتكبي تلك الممارسات في الوحشية.
وأضاف أن الإجرام يرتبط بالحقد والتصورات الخاطئة تجاه الآخرين، مؤكداً أن الوطن يبقى قيمة جامعة لا يجوز احتكارها أو الاستئثار بها.
وشدد على أن الوطن يجب أن يكون حراً وكريماً وعزيزاً، وأن يبقى لجميع أبنائه ممن يحبون الناس ويسعون إلى الخير لهم، بعيداً عن الإقصاء أو الاستئثار.
الغربة التي لم تنتزع العزيمة والأمل
تحدث عرنوس لـ«العروبة» عن تجربة الغربة التي عاشها داخل وطنه، بعيداً عن أهله وأقاربه وأصدقائه، خلال سنوات اعتقاله بين عامي 1980 و1995.
وأوضح أن تلك المرحلة حملت إليه الألم والمعاناة الجسدية والنفسية، وبثّت الأحزان في شعره، لكنها لم تتمكن من انتزاع عزيمته أو إطفاء الأمل داخله.
وأشار إلى أنه لم يغادر سوريا خلال سنوات الحرب، انطلاقاً من مسؤوليته المهنية والإنسانية طبيباً، ورغبته في البقاء إلى جانب المرضى والمحتاجين إلى الرعاية الصحية.
وأضاف أن المواطنين الذين بقوا في البلاد، سواء كان بقاؤهم طوعاً أم كرهاً، كانوا بحاجة إلى من يعالجهم ويخفف آلامهم، ولذلك اختار الاستمرار في أداء واجبه الطبي والإنساني بينهم.
الطب والشعر.. وسيلتان لتخفيف الألم
رأى عرنوس في حديثه لـ«العروبة» أن الطب والشعر يلتقيان في الاهتمام بالإنسان ومحاولة فهم أوجاعه والتخفيف منها، رغم اختلاف الأدوات والوسائل التي يعتمد عليها كل منهما.
وأوضح أن الطبيب يصغي إلى شكوى المريض، ويفحص جسده بحثاً عن علامات المرض، ويستخدم أدواته الطبية والاستقصاءات اللازمة لتحديد الأسباب ووصف العلاج المناسب.
في المقابل، أشار إلى أن الشاعر يصغي إلى أنات القلوب وشكاوى المعذبين وآلام الفراق، كما يلتقط لحظات الفرح واللقاء والمحبة، ليحوّلها إلى صور ومعانٍ شعرية.
وأضاف أن الطبيب والشاعر يشتركان في البحث عن الأسباب الكامنة وراء الألم، غير أن الطبيب يقدم العلاج بالأدوية والإجراءات الطبية، بينما يحاول الشاعر التخفيف عن الإنسان بالكلمات والمواساة والنصيحة والرثاء.
وأكد أن الإنسان يبقى محور اهتمام الطرفين، سواء كان يعاني ألماً جسدياً يحتاج إلى العلاج، أم وجعاً نفسياً يبحث عن كلمة تخفف وطأته.
الشعر وقضايا الناس وتحولات المجتمع السوري
تطرق عرنوس إلى قدرة الشعر على ملامسة قضايا الناس والتأثير في وجدانهم، معتبراً أن تذوق الشعر الجيد يواجه تحديات في ظل انتشار أنماط أدبية وفنية وصفها بالسطحية.
وأشار إلى وجود شعراء متميزين يمتلكون القدرة على الوصول إلى قلوب الناس والتأثير فيهم، وإن كان عددهم محدوداً من وجهة نظره.
ولفت إلى أهمية الملاحم الشعرية في تجسيد الأحداث التاريخية والمعاصرة، معتبراً أن اقترابها من التمثيل يمنحها قدرة أكبر على التأثير في المتلقي.
وأوضح أن الملاحم الشعرية تتيح استعادة أحداث الماضي أو رصد وقائع الحاضر، وتقديمها بأسلوب يجمع التعبير الأدبي بتصوير التجربة الإنسانية.
الشعر ابن الأحداث والتجارب
أكد عرنوس امتلاكه رصيداً كبيراً من القصائد والأعمال التي تناولت مراحل متعددة من حياته والأحداث التي عاصرها، مشيراً إلى أن الكتابة الشعرية ارتبطت لديه بالتجربة المباشرة وما تتركه الوقائع من أثر في النفس.
وأوضح أن لديه «كنزاً كبيراً من الشعر» تناول فيه مراحل متعددة من الأحداث والتجارب، وأنه لا ينشغل حالياً بموضوع شعري محدد، ولا يضع تصوراً مسبقاً لما سيكتبه مستقبلاً.
وأضاف أن القصيدة، في نظره، تولد من الأحداث التي يعيشها الشاعر ويتفاعل معها، متسائلاً: «الشعر يتولد من الأحداث، فكيف أفكر في قول شيء ووصف ما لا أعرف؟».
مؤلفات الدكتور الشاعر مروان بدر الدين عرنوس
ينحدر الدكتور مروان بدر الدين عرنوس من مدينة حمص، وهو طبيب اختصاصي في الأمراض الداخلية، ويحمل مؤهلات دراسات عليا، وله عدد من المؤلفات الشعرية والروائية، صدرت بعض أعماله عن دار الفكر في دمشق ودار الإرشاد في حمص ودمشق، فيما لا تزال أعمال أخرى تنتظر الطباعة.
المؤلفات المطبوعة
شملت مؤلفاته المطبوعة الملاحم الشعرية «مصاحف تمشي»، و«حوار… لا خناجر»، و«ولكن الله رمى»، و«وللرماح دموع»، و«وللسماء صهيل»، و«قيود أزهرت حباً»، و«نزف الأقصى لهيباً»، و«وترنحت الأسوار»، التي صدرت عن دار الإرشاد في حمص ودمشق.
كما ضمت قائمة أعماله المطبوعة كتاب «نفوس ملونة» الصادر عن دار الإرشاد، و«رواح الأرواح» الصادر عن دار الفكر في دمشق، ورواية «موتى يشتهون الموت» الصادرة عن دار الإرشاد.
مؤلفات تنتظر الطباعة
ضمت قائمة أعماله غير المطبوعة كتاب «عقول مجنحة»، الذي تناول فيه الطبيب ومرضاه، والملحمة الشعرية «كأنها كوكب دري»، وروايتي «سيوف تسل وروداً» و«آيا صوفيا… مآذن العاشقين».
كما شملت ملحمة «وزلزلوا زلزالاً شديداً»، التي تتناول أهوال سجن تدمر العسكري، وملحمة «فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا»، التي تروي الأحداث منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 حتى النصر.
الإنسان في قلب التجربة الشعرية
عكست تجربة عرنوس ارتباط الشعر بالأحداث التي عاشها، من سنوات السجن والمعاناة إلى التحولات التي شهدها المجتمع السوري، حيث حضرت الذاكرة الإنسانية بما تحمله من ألم وأمل في أعماله الشعرية والروائية.