من حمار اسمه «أبو الصبر» إلى قبر يقصده الزوار.. حكاية مثل شعبي من تراث حمص

العروبة – خاص

تتناقل الذاكرة الشعبية الحمصية حكاية طريفة لتفسير المثل الدارج «ما نحنا دافنينه سوا»، الذي يستخدمه أهالي حمص عندما يحاول أحدهم إخفاء حقيقة يعرفها الطرف الآخر، أو إقناعه برواية كان شريكاً في تفاصيلها، فيأتي الردّ ليذكّره بأن ما حدث بينهما لا يمكن إنكاره أو تغيير وقائعه.

 

وتدور الحكاية حول حمار يُدعى «أبو الصبر»، تحوّل قبره إلى مصدر لجمع المال بعدما أوهم صاحباه الناس بأن المدفون رجل صالح، قبل أن يكشف خلاف بينهما السرّ الذي أخفياه عن المارة.

 

حكاية «أبو الصبر»

 

روت الثمانينية مريم لـ«العروبة» إحدى الحكايات المتداولة بين أهالي حمص عن أصل المثل، قائلةً: «كان يا ما كان، في رجلين يشتغلوا بالتجارة، ويتنقلوا بين القرى والبلدات، ومعهم حمار اسمه أبو الصبر، يحمل بضاعتهم ويساعدهم في رحلاتهم».

 

وأوضحت أن الحمار مات خلال إحدى الرحلات، فقرر الرجلان دفنه في مكان قريب من الطريق، ثم جلسا بجوار قبره.

 

وأضافت: «بعد ما دفنوه، مرّ ناس من هناك وشافوا الرجلين قاعدين عند القبر، فسألوهم: مين المتوفّي؟ وشو قصته؟ فردّوا عليهم: أبو الصبر مات!».

 

وبيّنت أن المارة ظنوا أن «أبو الصبر» اسم رجل، وليس اسم الحمار، فبدأوا يسألون عن هويته وقصة وفاته، من دون أن يعرفوا حقيقة المدفون.

 

من حمار ميت إلى صاحب كرامات

 

وجد الرجلان في سوء فهم المارة فرصة لاستغلال الموقف، فبدآ يتحدثان عن «أبو الصبر» وكأنه رجل صالح، ويوحيان للناس بأن القبر يعود إلى شخص ذي مكانة خاصة.

 

ومع مرور الوقت، صدّق بعض الناس الرواية، وبدأوا يترددون على القبر ويقدمون المال، بعدما تحولت الحكاية إلى وسيلة لجذب الزوار والتبرعات.

 

وأشارت مريم إلى أن الرجلين استغلا تصديق الناس للحكاية، وأخذا يتحدثان عن «أبو الصبر» بوصفه ولياً صالحاً، حتى أصبح بعض المارة يقصدون قبره ويتركون المال عنده.

 

وأضافت أن الرجلين كانا الوحيدين اللذين يعرفان حقيقة المدفون، وأن القبر الذي حفرَاه لحمارهما تحوّل إلى مصدر للمال نتيجة الرواية التي اختلقاها.

 

خلاف الشريكين يكشف السرّ

 

لم يستمر اتفاق الرجلين طويلاً، إذ نشب خلاف بينهما حول اقتسام الأموال التي جمعاها من الزوار، وبدأ كل منهما يطالب بحصته.

 

وأوضحت مريم أن الحكاية بلغت ذروتها عندما حاول أحد الشريكين الاستعانة بصاحب القبر المزعوم لإنصافه في خلافه مع الآخر، متناسياً أنهما يعرفان حقيقة «أبو الصبر».

 

واستعادت خاتمة الرواية قائلةً: «هون ما عاد الشريك قادر يسكت، فردّ عليه: ولك، ما نحنا دافنينه سوا؟! يعني إنت وأنا منعرف مين أبو الصبر، ومنعرف إنه حمارنا اللي مات ودفناه بإيدينا، فكيف بدك تحكي عنه وكأنه وليّ صالح وتطلب منه ينصفك؟».

 

وهكذا، جاء ردّ الشريك ليكشف التناقض في موقف صاحبه، الذي حاول الاستناد إلى حكاية مختلقة أمام الشخص الذي شاركه تفاصيلها منذ البداية.

 

متى يستخدم أهالي حمص المثل؟

 

أوضحت مريم أن عبارة «ما نحنا دافنينه سوا» تُستخدم في الأحاديث الشعبية بين أهالي حمص عندما يحاول شخص خداع آخر أو إقناعه بأمر يعرف الطرفان حقيقته.

 

وأضافت أن المثل يُقال أيضاً عندما يتظاهر أحد الشريكين في أمر ما بعدم معرفته بالتفاصيل، أو يحاول تقديم رواية مختلفة أمام شخص شاركه الحدث ويعرف ما جرى.

 

وأشارت إلى أن العبارة تختصر موقفاً تتعارض فيه أقوال أحد الطرفين مع حقيقة مشتركة لا يستطيع الطرف الآخر تجاهلها.

 

حكاية من الذاكرة الشعبية الحمصية

 

تُعد حكاية «أبو الصبر» إحدى الروايات الشعبية المتناقلة بين أهالي حمص لتفسير المثل، وهي تجمع بين الطرافة والسخرية من الطمع واستغلال تصديق الآخرين، من دون أن تشكّل بالضرورة توثيقاً تاريخياً مؤكداً لنشأة العبارة.

 

وتعكس الحكاية جانباً من الموروث الشفهي الذي تناقلته الأجيال، حيث تحولت قصة الرجلين وحمارهما إلى مثل يُستحضر في المواقف اليومية للتعبير عن استحالة إخفاء الحقيقة عمن يعرفها.

 

 

وهكذا، بقيت حكاية «أبو الصبر» حاضرة في الذاكرة الشعبية الحمصية، تتناقلها الأجيال بما تحمله من طرافة وعبرة، وتكشف كيف يمكن للطمع أن يصنع حكاية يصدقها الآخرون، قبل أن تفضحها المصالح والخلافات. وبين تفاصيل القصة ومعناها، اختصر أهالي حمص درساً في استحالة خداع من يعرف الحقيقة، بعبارة بسيطة أصبحت مثلاً يتردد في أحاديثهم اليومية: «ما نحنا دافنينه سوا؟».

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع