العروبة – خاص
تحتفظ ساعة الأربعين شهيداً في حي بستان الديوان بمدينة حمص بمكانة خاصة بين المعالم التاريخية التي ارتبطت بذاكرة المدينة وأهلها، إذ تُعد أقدم ساعة برجية فيها، ويعود تاريخ وصول آليتها إلى عام 1921، قبل اكتمال بناء برجها عام 1923، لتبقى شاهداً على أكثر من قرن من التحولات العمرانية والاجتماعية، وحكاية وفاء جسّدها أحد أبناء حمص المغتربين تجاه مدينته.
وأوضح الباحث رامي الدويري، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن ساعة الأربعين شهيداً، المعروفة أيضاً باسم «الساعة العمومية»، تسبق من حيث القِدم ساعة الشهداء والساعة الجديدة المعروفة بساعة كرجية، التي اكتسبت شهرة واسعة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبحت من أبرز رموز حمص.
هدية من الاغتراب إلى حمص
بيّن الدويري أن حكاية الساعة تعود إلى عام 1921، عندما اشترى المغترب الحمصي سليم نسطا آليتها من فرنسا، وأهداها إلى كاتدرائية الأربعين شهيداً في حي بستان الديوان، لتكون وسيلة يستدل من خلالها سكان الحي والأحياء المجاورة على الوقت، سواء بمشاهدة عقاربها أو سماع دقاتها.
وأشار إلى أن الخوري عيسى أسعد وثّق جانباً من تاريخ الساعة في كتابه «زفرات القلوب»، إذ ذكر أن آليتها وصلت إلى بيروت في 12 تشرين الثاني عام 1921، خلال عهد المطران أثناسيوس عطا الله، الذي سعى إلى إعفائها من الرسوم الجمركية، وتكفّل بنفقات تشييد برجها.
وأضاف أن أعمال بناء البرج اكتملت عام 1923، ونُقش على واجهته الغربية نص شعري للأستاذ يوسف أفندي شاهين، يوثّق جهود المطران أثناسيوس عطا الله وتبرع سليم نسطا، ليحفظ جانباً من قصة إنشاء هذا المعلم.
واعتبر الدويري أن هذه المبادرة تعكس ارتباط أبناء حمص المغتربين بمدينتهم، وحرصهم على الإسهام في تطويرها والحفاظ على حضورهم في حياتها الاجتماعية والعمرانية، رغم ابتعادهم عنها.
آلية ميكانيكية تعمل بالثقالات
أوضح الدويري أن ساعة الأربعين شهيداً تتميز بآلية ميكانيكية تقليدية تعتمد على الثقالات، مع تصميم داخلي حلزوني، وهي من الأنظمة التي كانت مستخدمة في صناعة الساعات البرجية خلال تلك المرحلة.
وبيّن أن تشغيل الساعة يتطلب إعادة تحضير آليتها كل 36 ساعة تقريباً، ما يعكس طبيعة العمل الميكانيكي الذي اعتمدت عليه الساعات العامة قبل انتشار الأنظمة الكهربائية والإلكترونية الحديثة.
وتمنح هذه الخصائص الساعة قيمة تتجاوز وظيفتها في تحديد الوقت، باعتبارها نموذجاً من التقنيات الميكانيكية التي استخدمت في المنشآت العامة خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
ارتباط تاريخي بكاتدرائية الأربعين شهيداً
أشار الدويري إلى أن الساعة ترتبط بكاتدرائية الأربعين شهيداً في حي بستان الديوان، وهي مقر مطرانية الروم الأرثوذكس في حمص.
وأوضح أن الكاتدرائية تحمل اسم الشهداء الأربعين الذين استشهدوا في بلاد أرمينيا عام 320 ميلادية، وفق الرواية التاريخية المرتبطة بالكنيسة.
ويمنح موقع الساعة ضمن هذا المعلم الديني والتاريخي أهمية إضافية، إذ يجمع بين التراث المعماري والوظيفة الاجتماعية التي أدتها الساعة في حياة السكان، حين كانت الساعات العامة وسيلة أساسية لمعرفة الوقت وتنظيم الأنشطة اليومية.
أكثر من قرن في ذاكرة المدينة
أكد الدويري أن ساعة الأربعين شهيداً حافظت على حضورها بوصفها أحد معالم حمص القديمة، وارتبطت بذاكرة أهالي بستان الديوان والأحياء المجاورة، الذين اعتادوا الاستدلال على الوقت من خلال عقاربها ودقاتها.
وأشار إلى أن قيمتها لا تقتصر على قِدمها، بل تشمل ما تختزنه من تفاصيل تاريخية ومعمارية، بدءاً من قصة إهدائها من أحد المغتربين، مروراً بتشييد برجها، وصولاً إلى آليتها الميكانيكية التقليدية.
وشدد على أهمية الحفاظ على البرج التاريخي وصيانة آلية الساعة بصورة دورية، من خلال أعمال متخصصة تراعي طبيعة مكوناتها وخصوصيتها، بما يسهم في صون هذا المعلم واستمرار حضوره ضمن النسيج العمراني والتراثي للمدينة.
توثيق المعلم وتعريف الأجيال الجديدة به
دعا الدويري إلى تعزيز الوعي بالقيمة التاريخية لساعة الأربعين شهيداً، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة، من خلال إعداد مواد وثائقية وتقارير صحفية وإعلامية تتناول تاريخها ومراحل إنشائها ودورها في الحياة اليومية لأهالي حمص.
وأكد أهمية إنتاج أفلام توثيقية تسلط الضوء على حكاية الساعة والأشخاص الذين أسهموا في إنشائها، بما يساعد على حفظ تفاصيلها التاريخية وإتاحتها للمهتمين بتاريخ المدينة وتراثها.
كما شدد على ضرورة تنظيم جولات ثقافية وتعريفية لطلبة المدارس والجامعات في شوارع وأزقة حمص القديمة، لتعريفهم بالمعالم المعمارية والتاريخية التي تحتضنها، وتعزيز ارتباطهم بتراث مدينتهم.
واعتبر أن التعريف بهذه المعالم يمثل جزءاً أساسياً من جهود الحفاظ عليها، إذ يسهم في نقل قصصها وتاريخها إلى الأجيال القادمة، ويعزز الاهتمام المجتمعي بصون التراث المحلي.
إرث يستحق الحماية
بعد أكثر من مئة عام على وصول آليتها من فرنسا واكتمال بناء برجها، لا تزال ساعة الأربعين شهيداً تحتفظ بقيمتها بوصفها أحد الشواهد على تاريخ حمص العمراني والاجتماعي، وعلى مساهمة أبنائها المغتربين في إنشاء معالم بقيت حاضرة في ذاكرة المدينة.
ويشكل الحفاظ على الساعة وصيانة مكوناتها وتوثيق تاريخها وتعريف الأجيال الجديدة بها مسؤولية ثقافية وتراثية، لضمان استمرار هذا المعلم شاهداً على مرحلة من تاريخ حمص، وحكاية وفاء بدأت بهدية من الاغتراب وتحولت إلى جزء من هوية المدينة.