بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟

العروبة – خاص

غيّرت ضغوط الحياة وتزايد المسؤوليات اليومية شكل العلاقات العائلية، فتراجعت اللقاءات التي كانت تجمع الأقارب بصورة منتظمة، مقابل حضور متزايد للمكالمات الهاتفية ورسائل التواصل الاجتماعي بوصفها وسيلة أسهل للاطمئنان وتبادل الأخبار.

 

ورغم أن التكنولوجيا أسهمت في تقريب المسافات بين أفراد العائلة، فإنها لم تُلغِ الحاجة إلى اللقاء المباشر وما يحمله من دفء ومشاركة وجدانية، ولا سيما لدى كبار السن الذين اعتادوا التواصل العائلي وجهاً لوجه.

 

وفي حمص، تتباين تجارب الأسر بين من يحاولون المحافظة على الزيارات العائلية رغم الانشغالات، ومن يجدون في الهاتف وسيلتهم الأساسية للتواصل، وسط تساؤلات عن قدرة العلاقات الأسرية على الاحتفاظ بمتانتها في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

 

لقاءات تؤجلها مشاغل الحياة

 

تقول نجاة، وهي ربة منزل، في حديثها لـ«العروبة»، إن الهاتف سهّل عليها الاطمئنان على شقيقاتها وأقاربها، لكنه لا يمنحها الشعور نفسه الذي تحققه الزيارة المباشرة، حيث تتاح فرصة الحديث وتبادل تفاصيل الحياة اليومية.

 

وتوضح أن مسؤوليات المنزل واختلاف مواعيد أفراد الأسرة جعلا اجتماع الجميع أمراً يحتاج إلى تنسيق مسبق، بعدما كانت اللقاءات العائلية أكثر انتظاماً.

 

من جانبه، يرى سامي، وهو موظف، أن المكالمات الهاتفية تساعده على متابعة أحوال أقاربه رغم ضغوط العمل، إلا أنها لا يمكن أن تحل محل الحضور الشخصي، ولا سيما في الظروف الصعبة التي يحتاج فيها الإنسان إلى المساندة.

 

ويشير إلى أن المحافظة على صلة الرحم لا تتطلب بالضرورة زيارات مكلفة أو تحضيرات كبيرة، إذ يمكن للقاء بسيط أن يحقق الغاية من التواصل ويعزز المودة بين الأقارب.

 

أما أبو خالد، وهو من كبار السن، فيستعيد بحنين الجلسات العائلية التي كانت تجمع الأبناء والأحفاد بصورة منتظمة، موضحاً أن انشغال أفراد الأسرة قلّل فرص اللقاء.

 

ورغم أن الاتصالات الهاتفية تطمئنه على أحوالهم، فإنه يفتقد الجلسات التي تتيح له مشاركتهم تفاصيل يومه والاستماع إلى أخبارهم بعيداً عن اختصار الحديث في دقائق معدودة.

 

قيمة التواصل في صدق الاهتمام

 

يرى أبو قصي أن وسائل التواصل الحديثة أتاحت للأقارب المحافظة على علاقاتهم رغم المسافات، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على متانة الروابط الأسرية.

 

ويؤكد أن قيمة التواصل لا تُقاس بعدد الرسائل والمكالمات، بل بما تحمله من اهتمام حقيقي، موضحاً أن رسالة صادقة قد تمنح القريب شعوراً بالتقدير، في حين أن الزيارة المباشرة قد تفقد معناها إذا غابت عنها المودة والتفاهم.

 

ويشير إلى أن الأهم هو استمرار السؤال عن الأقارب ومشاركتهم ظروفهم، سواء عبر اللقاء المباشر أو وسائل الاتصال المتاحة.

 

صلة الرحم تبدأ بجبر الخاطر

 

تؤكد الأخصائية النفسية رهف قرنفل، في تصريح لـ«العروبة»، أن صلة الرحم لا ينبغي اختصارها في الزيارة بوصفها واجباً اجتماعياً، بل تقوم أساساً على جبر الخواطر واستيعاب الآخرين ومراعاة ظروفهم واحتياجاتهم النفسية، ولا سيما كبار السن.

 

وتوضح أن الزيارة لا تحقق غايتها إذا تحولت إلى مناسبة للعتاب القاسي أو إطلاق الأحكام أو إثارة الخلافات، مشيرة إلى أن الأهم هو شعور القريب بالاهتمام والتقدير، ووجود مساحة آمنة للحوار والتعبير عن مشاعره.

 

وتلفت إلى أن صلة الرحم قد تتجسد أيضاً في تقديم المساندة العملية والمادية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، سواء من خلال المساهمة في تأمين دواء أو تلبية حاجة أساسية أو مساعدة أحد الأقارب على تجاوز ظرف معيشي صعب، وفق الإمكانات المتاحة.

 

وترى أن هذه الأشكال من الدعم قد تكون أكثر نفعاً من زيارة تفرض على الأسرة المستضيفة تكاليف ضيافة إضافية لا تستطيع تحملها.

 

ضغوط اقتصادية وآثار نفسية

 

توضح قرنفل أن ارتفاع تكاليف المعيشة والنقل، واضطرار بعض الأشخاص إلى العمل في أكثر من وظيفة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب تشتت العائلات في بلدان الاغتراب، من أبرز العوامل التي تحدّ من فرص اللقاءات العائلية.

 

وتشير إلى أن تعذر الزيارات قد يولّد لدى بعض الأشخاص شعوراً بالتقصير أو الذنب تجاه أقاربهم، بينما قد يؤدي تراجع التواصل لفترات طويلة إلى فتور العلاقات وزيادة الشعور بالعزلة الاجتماعية.

 

وتضيف أن غياب السند العائلي المباشر قد يضاعف الضغوط النفسية لدى بعض الأفراد، ولا سيما من يحتاجون إلى الدعم والمشاركة في مواجهة ظروفهم اليومية.

 

وتؤكد أن الحفاظ على الروابط الأسرية لا يتطلب تجاهل هذه الضغوط، بل البحث عن وسائل تواصل واقعية تراعي ظروف جميع الأطراف.

 

مبادرات بسيطة تحافظ على الروابط

 

تقترح قرنفل التعامل مع صلة الرحم بمرونة، من خلال الاستفادة من وسائل التواصل الحديثة عندما يتعذر اللقاء، وعدم انتظار وقت فراغ طويل قد لا يتاح في ظل المسؤوليات اليومية.

 

وتوضح أن رسالة صوتية دافئة أو مكالمة قصيرة تعبّر عن اهتمام صادق يمكن أن تترك أثراً إيجابياً، شرط ألا تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لأداء الواجب.

 

كما تشدد على أهمية المبادرة إلى السؤال عن الأقارب، وتقديم المساعدة عند الحاجة وفق الإمكانات، واستقبال عتابهم بتفهّم بدلاً من الانسحاب أو قطع التواصل.

 

وتدعو إلى عدم السماح للخلافات العابرة أو الشعور بالتقصير بالتحول إلى قطيعة، مؤكدة أن الحفاظ على العلاقات يحتاج إلى قدر من التسامح والتواصل المتبادل.

 

وتلفت إلى أن تأجيل السؤال والزيارة بصورة مستمرة قد يترك شعوراً بالندم عند فقدان أحد الأقارب، ما يجعل المبادرة إلى التواصل، ولو بخطوات بسيطة، أكثر أهمية من انتظار الظروف المثالية.

 

وبين رسائل الهاتف ودفء اللقاء، تبقى صلة الرحم أوسع من وسيلة التواصل المستخدمة، إذ تتجسد في صدق السؤال وجبر الخاطر والمساندة وقت الحاجة. وبينما تساعد التكنولوجيا على تجاوز المسافات والانشغالات، يظل اللقاء المباشر فرصة لتعزيز المودة والحفاظ على الروابط العائلية كلما سمحت الظروف.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع