أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟

العروبة – خاص

قد تبدأ الإساءة بتعليق على منشور، أو رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبارة تُقال خلال نقاش عابر، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند إغلاق الهاتف أو انتهاء الحديث. فالكلمات التي تحمل الإهانة والتحقير والتحريض قد تترك آثاراً نفسية تتجاوز لحظة سماعها، وتؤثر في شعور الإنسان بالأمان وثقته بنفسه وعلاقاته مع الآخرين.

 

وفي مجتمع يسعى إلى تجاوز آثار سنوات الحرب واستعادة الروابط بين أبنائه، تبرز أهمية الانتباه إلى الأثر النفسي لخطاب الكراهية، ولا سيما مع اتساع استخدام المنصات الرقمية وسرعة انتشار المحتوى الذي يصنف الناس ويضعهم في مواجهة بعضهم بعضاً.

 

وضمن حملة «الكلمة تبني» لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك المجتمعي، نسلط الضوء على تأثير الكلمات العدائية في الصحة النفسية، وكيفية انتقال آثارها من الفضاء الرقمي إلى الحياة اليومية، وسبل الحد من انعكاساتها على الأفراد والمجتمع.

 

حين تتحول الكلمات إلى مصدر للخوف

 

لا يقتصر خطاب الكراهية على الشتائم المباشرة، بل قد يظهر في صورة تعميمات مهينة أو سخرية من جماعة معينة أو تحميل أفرادها مسؤولية أفعال لم يرتكبوها، وصولاً إلى التحريض على إقصائهم أو إيذائهم بسبب هويتهم أو انتمائهم.

 

ويختلف هذا الخطاب عن النقد والاختلاف المشروع في الرأي؛ فمناقشة الأفكار والمواقف حق للجميع، بينما تتحول الكلمات إلى إساءة عندما تستهدف كرامة الإنسان أو تحط من قيمته بسبب انتمائه.

 

وقد يؤدي التعرض المتكرر لهذه العبارات إلى زيادة القلق والتوتر والخوف، خصوصاً عندما يشعر الشخص بأن الإساءة قد تتحول إلى تهديد أو تمييز في حياته اليومية.

 

وتتفاوت الاستجابات النفسية تبعاً لطبيعة الخطاب وشدته وتكراره، ومدى توافر الدعم الأسري والاجتماعي، إلا أن استمرار التعرض للإهانة قد يزيد الشعور بالضيق النفسي، ولا سيما لدى الأشخاص الذين مروا بتجارب عنف أو تهجير أو تمييز.

 

من الإساءة إلى العزلة الاجتماعية

 

قد يدفع خطاب الكراهية بعض الأشخاص إلى تجنب النقاشات العامة أو الانسحاب من مجموعات التواصل، خشية التعرض للسخرية أو الاستهداف، ما يحد من مشاركتهم الاجتماعية ويؤثر في شعورهم بالانتماء.

 

ومع تكرار هذه التجارب، قد تتراجع الثقة بالآخرين، ويصبح التعبير عن الرأي مصدراً للقلق بدلاً من أن يكون وسيلة للحوار والتفاهم.

 

ولا تتوقف هذه الآثار عند الشخص المستهدف مباشرة، بل قد تمتد إلى أفراد أسرته ومحيطه الاجتماعي، وإلى أشخاص يشتركون معه في الهوية أو الانتماء، ما يعزز مشاعر الحذر والانقسام ويضعف الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع.

 

الأطفال واليافعون أكثر حاجة إلى الحماية

 

تكتسب مواجهة خطاب الكراهية أهمية خاصة لدى الأطفال واليافعين، الذين ما زالوا في مراحل تكوين صورتهم عن أنفسهم وفهم علاقاتهم بالآخرين.

 

فالتعرض المتكرر للتحقير أو الإقصاء قد يؤثر في ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بالأمان داخل المدرسة والمجتمع، وقد يتحول إلى تنمر ينعكس على علاقاتهم بزملائهم ومشاركتهم في الأنشطة التعليمية والاجتماعية.

 

وفي المقابل، فإن اعتياد الأطفال سماع عبارات الكراهية دون توجيه قد يجعلهم يتعاملون معها بوصفها سلوكاً طبيعياً، ما يبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة في تعليمهم احترام الاختلاف ورفض الإهانة والتمييز.

 

لماذا يتضاعف الأثر عبر وسائل التواصل؟

 

تمنح المنصات الرقمية خطاب الكراهية قدرة على الانتشار السريع والوصول إلى جمهور واسع، وقد تبقى التعليقات المسيئة متاحة لفترات طويلة، حتى بعد انتهاء النقاش الذي ظهرت خلاله.

 

كما أن إعادة نشر العبارات العدائية وتداولها قد تجعل الشخص المستهدف يشعر بأن الإساءة تتكرر أمام جمهور جديد، الأمر الذي يزيد الضغط النفسي ويصعّب تجاوز التجربة.

 

لكن وسائل التواصل ليست مصدراً للإساءة بالضرورة، إذ يمكن استخدامها أيضاً لتقديم الدعم والتضامن وتصحيح المعلومات المضللة، ونشر خطاب يحترم التنوع ويعزز التفاهم.

 

كيف نواجه الأثر النفسي لخطاب الكراهية؟

 

تبدأ المواجهة بإدراك أن التعرض للإساءة لا يفرض على الشخص الرد على كل تعليق أو الدخول في كل نقاش عدائي، فمن المفيد وضع حدود واضحة للتفاعل مع المحتوى المسيء، واستخدام أدوات الحظر والإبلاغ عند الحاجة.

 

ويساعد التحدث مع شخص موثوق من الأسرة أو الأصدقاء على تخفيف الشعور بالعزلة، وإيجاد مساحة آمنة للتعبير عن الانزعاج والخوف، فيما قد تكون الاستعانة بمختص نفسي ضرورية عندما يستمر القلق أو يؤثر في النوم والعلاقات والحياة اليومية.

 

وتتحمل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام مسؤولية أساسية في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال تعزيز لغة الحوار، وتجنب التعميمات والأوصاف المهينة، وعدم إعادة نشر المحتوى التحريضي أو التعامل معه بوصفه اختلافاً عادياً في الرأي.

 

الكلمة التي تؤذي يمكن أن تبني

 

لا تعني مواجهة خطاب الكراهية منع الاختلاف أو إلغاء النقاشات الصعبة، بل تعني الفصل بين نقد الفكرة وإهانة الإنسان، وبين التعبير عن الموقف والتحريض على الآخرين.

 

ويمكن أن يبدأ التغيير بممارسات بسيطة، مثل الامتناع عن مشاركة منشور يحرض على الكراهية، أو تصحيح معلومة مضللة، أو الاعتراض على تعميم مهين، أو تقديم الدعم لشخص تعرض للإساءة.

 

فالكلمة التي تُكتب خلال ثوانٍ قد تترك أثراً نفسياً يستمر طويلاً، لكنها تستطيع أيضاً أن تمنح الطمأنينة وتعيد بناء الثقة.

 

ومن هنا تتجسد رسالة حملة «الكلمة تبني»: الاختلاف في الرأي لا يبرر المساس بكرامة الإنسان، ومسؤوليتنا لا تنتهي عند ما نقوله، بل تمتد إلى الأثر الذي تتركه كلماتنا في نفوس الآخرين وعلاقاتهم بالمجتمع.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع