العروبة – خاص
قد تبدو بعض الخرافات مجرد حكايات شعبية تتناقلها الأجيال، لكنها تتحول لدى بعض الأشخاص إلى معتقدات راسخة تؤثر في قراراتهم وعلاقاتهم وسلوكهم اليومي، حتى إن الخوف من مخالفتها قد يدفعهم إلى تجنب مواقف أو اتخاذ خيارات لا تستند إلى أدلة علمية أو منطقية.
وبين موروثات اجتماعية تنتقل داخل الأسرة، ومخاوف نفسية مرتبطة بالمجهول والرغبة في الشعور بالأمان، تبرز تساؤلات حول أسباب استمرار الإيمان بالخرافات، ومدى تأثيرها في حياة الأفراد، والسبل التي تساعد على الحد من سيطرتها على التفكير والسلوك.
معتقدات تتوارثها الأجيال
تقول السيدة (ن.ع)، في تصريح لـ«العروبة»، إن المجتمع لا يزال يحتفظ بمعتقدات شعبية عديدة، بعضها يرتبط بمواقف وتفاصيل بسيطة من الحياة اليومية، لكنها قد تؤثر في سلوك الأشخاص الذين يؤمنون بها.
وتوضح أن من بين هذه المعتقدات الاعتقاد بأن عدّ النجوم يؤدي إلى ظهور الثآليل، أو أن رؤية العريس فستان الخطبة أو الزفاف قبل موعد المناسبة قد تتسبب في فشل الزواج، إلى جانب التشاؤم من تجهيز مستلزمات المولود قبل الشهر السابع، أو من رؤية البومة، فضلاً عن الاعتقاد بأن الإفصاح عن مشاعر المحبة تجاه الآخرين قد يؤدي إلى فقدانهم.
وتشير إلى أن هذه الأفكار تنتقل غالباً عبر الأحاديث العائلية وقصص الأجداد، حيث يتلقاها بعض الأبناء بوصفها حقائق أثبتتها تجارب سابقة، دون التحقق من صحتها.
وتضيف أن الخوف من النتائج التي يُعتقد أنها قد تحدث عند مخالفة هذه الموروثات يدفع بعض الأشخاص إلى التمسك بها، في حين بدأ آخرون يتجاوزونها ولا يسمحون لها بالتأثير في قراراتهم اليومية.
عندما تمتد الخرافة إلى الصحة
لا تقتصر الخرافات على التشاؤم من مواقف أو أحداث معينة، بل قد تمتد إلى ممارسات ومعتقدات تتعلق بالصحة، ما يجعل تأثيرها أكثر خطورة عندما تصبح بديلاً عن المعرفة الطبية أو تؤخر الحصول على الرعاية اللازمة.
وتشير السيدة (س.م)، في حديثها لـ«العروبة»، إلى استمرار لجوء بعض الأهالي إلى ممارسة سكب الرصاص، اعتقاداً بأنها تساعد على التخلص من الحسد والعين.
وتلفت إلى تداول معتقد شعبي آخر يتعلق بالأطفال الخدّج، يقوم على الاعتقاد بأن الطفل المولود في الشهر السابع يمكن أن يعيش، بينما لا ينجو الطفل المولود في الشهر الثامن.
غير أن فرص نجاة الأطفال الخدّج ترتبط بعوامل طبية، أبرزها عمر الحمل والحالة الصحية للمولود ومستوى الرعاية الطبية المتاحة، ولا تستند إلى هذه التصورات الشعبية.
وتبرز خطورة مثل هذه المعتقدات عندما تؤثر في القرارات المتعلقة بالصحة أو تدفع إلى الاعتماد على ممارسات غير مثبتة بدلاً من طلب المشورة الطبية المتخصصة.
لماذا يصدق الإنسان الخرافات؟
توضح الدكتورة ندى جميل البدري، اختصاصية الدعم النفسي والإرشاد الأسري، أن الإيمان بالخرافات يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، في مقدمتها التنشئة الأسرية والموروثات الشعبية التي يتلقاها الإنسان منذ طفولته.
وتبين البدري، في تصريح لـ«العروبة»، أن الإنسان قد يلجأ إلى المعتقدات الخرافية عندما يواجه أحداثاً لا يستطيع تفسيرها أو التحكم في نتائجها، فيبحث عن تفسيرات تمنحه شعوراً بالطمأنينة واليقين.
وتؤكد أن تصديق الخرافات لا يعني بالضرورة ضعف الذكاء أو القدرة على التفكير، بل قد يرتبط بالحاجة النفسية إلى الشعور بالأمان، ولا سيما في الظروف التي يزداد فيها القلق والخوف من المستقبل.
وتشير إلى أن بعض الأشخاص يربطون نجاحهم أو إخفاقهم بإشارات وأحداث لا توجد أدلة على ارتباطها بالنتائج التي يتوقعونها، ما يجعل الخوف من المجهول عاملاً مؤثراً في قراراتهم.
متى تتحول الخرافة إلى مشكلة؟
بحسب البدري، تصبح الخرافات مشكلة عندما تتجاوز حدود الاعتقاد الشخصي وتبدأ بالتأثير المباشر في العلاقات الاجتماعية والاختيارات اليومية.
وقد يظهر ذلك من خلال تجنب أشخاص أو مواقف معينة بسبب التشاؤم، أو توجيه اتهامات إلى الآخرين دون دليل، أو اتخاذ قرارات مهمة بناءً على مخاوف مرتبطة بمعتقدات غير مثبتة.
وتحذر من خطورة وصول تأثير هذه الأفكار إلى الامتناع عن العلاج الطبي أو تأخيره، عندما يفسر الشخص مشكلاته الصحية وفق معتقدات خرافية بدلاً من الاستناد إلى التشخيص الطبي.
وتوضح أن استمرار الاعتماد على هذه التفسيرات قد يعزز القلق، ويجعل الشخص أكثر ارتباطاً بالمعتقدات التي تمنحه شعوراً مؤقتاً بالأمان، دون أن تساعده على فهم الأسباب الحقيقية للأحداث التي يمر بها.
التفكير النقدي لمواجهة المعتقدات غير المثبتة
تؤكد البدري أهمية التعامل مع الخرافات من خلال تعزيز الوعي وتشجيع الأشخاص على مراجعة أفكارهم واختبارها بالأدلة، بدلاً من الاكتفاء بتصديق ما يتوارثونه أو يسمعونه من الآخرين.
وتشير إلى إمكانية الاستعانة بالعلاج المعرفي السلوكي عند الحاجة، لمساعدة الأشخاص الذين تؤثر هذه المعتقدات بصورة سلبية في حياتهم على فهم أنماط تفكيرهم وإعادة تقييمها.
كما تشدد على الدور الذي تؤديه الأسرة والمدرسة في تنمية التفكير النقدي لدى الأبناء، من خلال تشجيعهم على طرح الأسئلة والبحث عن التفسيرات المنطقية، وعدم التعامل مع كل ما يُنقل إليهم بوصفه حقيقة ثابتة.
وتلفت إلى أهمية التمييز بين المعتقدات الدينية والثقافية من جهة، والادعاءات التي لا تستند إلى أدلة من جهة أخرى، بما يتيح التعامل مع الموروث الاجتماعي بوعي بعيداً عن التعميم أو إصدار الأحكام المسبقة.
الموروث الشعبي بين الذاكرة والوعي
لا تتطلب مواجهة الخرافات الدخول في صدام مع الأشخاص الذين يؤمنون بها، أو محاولة فرض التخلي عنها بالقوة، بل تقوم على الحوار وتقديم المعرفة وتشجيع التفكير القائم على الأدلة.
فالموروثات الشعبية قد تشكل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى قواعد تتحكم في القرارات الشخصية أو تؤثر في العلاقات والصحة والحياة اليومية.
ويبقى تعزيز ثقافة السؤال والتحقق، وتنمية القدرة على التمييز بين الحقائق والمعتقدات غير المثبتة، من أهم الوسائل للحد من تأثير الخرافات، حتى تظل الحكايات الشعبية جزءاً من الذاكرة الاجتماعية، لا مصدراً للخوف أو قيوداً تتحكم في حياة الإنسان واختياراته.