العروبة – خاص
أعلن جهاز الاستخبارات العامة السوري القبض على معراج أورال، المعروف باسم «علي كيالي»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013، ليعيد الحدث تسليط الضوء على واحدة من الشخصيات التي ارتبط اسمها بالتشكيلات المسلحة الموالية لنظام الأسد البائد، وباتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين خلال سنوات الثورة السورية.
وجاء الإعلان عن اعتقال أورال أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا»، بعد أسابيع قليلة من توقيف نائبه جمال طرابلسي، أحد القياديين السابقين في ميليشيا «المقاومة السورية» التي قاتلت إلى جانب قوات النظام السابق.
ويمتد نشاط أورال من التنظيمات اليسارية المسلحة في تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي إلى علاقاته بالأجهزة الأمنية السورية، وصولاً إلى قيادة مجموعات مسلحة شاركت في العمليات العسكرية إلى جانب قوات الأسد بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011.
من أنطاكيا إلى سوريا.. البدايات والنشاط المسلح
وُلد معراج أورال عام 1956 في مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هاتاي التركية، وينحدر من أسرة علوية، وعُرف باسمه الأصلي خلال سنوات نشاطه السياسي والعسكري في تركيا، قبل انتقاله إلى سوريا واتخاذ اسم «علي كيالي».
وبدأت مسيرته في سبعينيات القرن الماضي بانخراطه في تنظيمات يسارية مسلحة مناهضة للحكومة التركية، من أبرزها تنظيم «عاجلجيلر»، الذي ارتبط بأعمال عنف وعمليات مسلحة داخل الأراضي التركية.
كما ارتبط نشاطه بما عُرف باسم «جبهة تحرير لواء إسكندرون»، التي رفعت شعارات تتعلق بإعادة المنطقة إلى السيادة السورية، في سياق الخلافات السياسية والأمنية التي شهدتها تلك المرحلة.
وفي عام 1978، اعتقلته السلطات التركية على خلفية اتهامات بتنفيذ أعمال مسلحة، من بينها استهداف القنصلية الأميركية في أضنة والسطو على أحد المصارف.
وتنقل أورال بين عدد من السجون التركية، قبل أن يتمكن من الفرار عام 1980، عقب الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال كنعان إيفرين، لينتقل بعد ذلك إلى سوريا ويبدأ مرحلة جديدة من نشاطه.
علاقاته بنظام الأسد وحصوله على الجنسية السورية
وجد أورال في سوريا ملاذاً خلال حكم حافظ الأسد، حيث ارتبط بعلاقات مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، وحصل على الجنسية السورية خلال ثمانينيات القرن الماضي، واتخذ اسم «علي كيالي» الذي اشتهر به لاحقاً.
وتوسعت علاقاته مع شخصيات مقربة من السلطة، بينها محيط عائلة الأسد، وتزوج من ملك فاضل، التي كانت تعمل سكرتيرة لدى جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد.
كما شارك في تأسيس مجموعات مسلحة نشطت في لبنان خلال عام 1982، ولا سيما في بيروت والنبطية ومناطق الجنوب اللبناني، ضمن مرحلة شهدت تداخلاً بين نشاط التنظيمات المسلحة والصراعات الإقليمية.
وارتبط اسمه أيضاً بعلاقات مع حزب العمال الكردستاني، إذ نُسب إليه أداء دور الوسيط بين النظام السوري وعبد الله أوجلان، زعيم الحزب، خلال الفترة التي استضافت فيها سوريا قيادات منه، قبل تدهور العلاقات السورية التركية في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وطالت أورال اتهامات بالارتباط بأنشطة تهريب وتجارة غير مشروعة، بينها تهريب المخدرات، غير أن المعلومات المتاحة في هذا السياق لا تتضمن أحكاماً قضائية موثقة تثبت مسؤوليته الشخصية عن تلك الأنشطة.
وخلال تلك السنوات، تنقل بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية، مستفيداً من الوثائق السورية التي حصل عليها، قبل أن يعود اسمه إلى الواجهة مع اندلاع الثورة السورية.
تأسيس «المقاومة السورية» والقتال إلى جانب قوات الأسد
مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، برز أورال من خلال قيادة تشكيل مسلح موالٍ لنظام بشار الأسد، حمل اسم «المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون».
وضم التنظيم مجموعات مسلحة مرتبطة به، وشارك في العمليات العسكرية إلى جانب قوات النظام السابق، ولا سيما في مناطق الساحل السوري وأرياف اللاذقية وإدلب وحلب.
واتخذت المجموعات التابعة له من المناطق القريبة من الحدود السورية التركية مجالاً رئيسياً لنشاطها، مع العمل على استقطاب مقاتلين من محيطه الاجتماعي والسياسي في ولاية هاتاي التركية.
وفي عام 2012، حصل التنظيم، وفق المعلومات المنشورة عن مسيرته، على صفة القوات الرديفة لجيش النظام، ما أتاح له العمل ضمن التشكيلات المسلحة المساندة للقوات الحكومية والاستفادة من الدعم المقدم إليها.
وشارك مقاتلوه في معارك ضد فصائل المعارضة السورية، ضمن تشكيلات ارتبطت بميليشيات الدفاع الوطني والمجموعات المسلحة الموالية للنظام.
وتركز نشاط التنظيم بصورة خاصة في ريف اللاذقية، حيث تمركز قسم من قواته، إضافة إلى مناطق في ريف إدلب، بينها جسر الشغور، ومواقع أخرى شهدت مواجهات عسكرية خلال سنوات الثورة.
مجزرتا البيضا وبانياس.. أبرز الاتهامات
يرتبط اسم معراج أورال بصورة أساسية بمجزرتي قرية البيضا ومدينة بانياس في محافظة طرطوس، اللتين وقعتا خلال أيار 2013، وأسفرتا عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.
ففي الثاني من أيار 2013، شهدت قرية البيضا عمليات قتل جماعي بحق مدنيين، ترافقت مع أعمال عنف واسعة، قبل أن تمتد الانتهاكات إلى أحياء في مدينة بانياس، ولا سيما منطقة رأس النبع.
وتضمنت الشهادات والتقارير المتعلقة بالمجزرتين روايات عن إعدامات ميدانية وعمليات قتل بالرصاص والسلاح الأبيض، إضافة إلى إحراق منازل وجثث، وسط اتهامات لقوات النظام السابق والمجموعات المسلحة الموالية له بالمسؤولية عن تلك الجرائم.
ووجّهت جهات حقوقية وناشطون اتهامات إلى أورال بالمشاركة في العمليات وقيادة مجموعات مسلحة متورطة فيها، ما أدى إلى ارتباط اسمه بلقب «جزار بانياس».
كما طالت التشكيلات التي قادها اتهامات بارتكاب انتهاكات أخرى بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية في الساحل ومناطق سورية مختلفة.
ويأتي إعلان جهاز الاستخبارات العامة اعتقال أورال بوصفه المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس ليعيد طرح ملف المسؤوليات الجنائية المرتبطة بتلك الأحداث، بانتظار ما قد تكشفه التحقيقات والإجراءات القضائية اللاحقة.
وتبقى المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم المنسوبة إليه مسألة تتطلب التحقيق والإثبات القضائي، مع التمييز بين الوقائع الموثقة بشأن المجازر والاتهامات الموجهة إلى أشخاص محددين.
اتهامات تتعلق بمجزرة الحولة في ريف حمص
لم تقتصر الاتهامات التي طالت أورال والمجموعات المرتبطة به على أحداث الساحل السوري، إذ ورد اسمه أيضاً ضمن روايات تتعلق بانتهاكات ارتُكبت في مناطق أخرى خلال سنوات الثورة.
ومن أبرز تلك الأحداث مجزرة الحولة في ريف حمص، التي وقعت في 25 أيار 2012، وأسفرت عن مقتل 111 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال.
ووردت اتهامات بشأن تورط مجموعات موالية للنظام في المجزرة، فيما نُسب إلى ميليشيات مرتبطة بأورال دور في انتهاكات مماثلة.
لكن المعلومات المعروضة لا تتضمن أدلة قضائية تثبت مسؤوليته الشخصية المباشرة عن مجزرة الحولة، الأمر الذي يستدعي الفصل بين الاتهامات المتعلقة بالمجموعات المسلحة والمسؤولية الفردية عن الجرائم.
وشكلت مجزرة الحولة إحدى أبرز محطات الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال عام 2012، وأثارت إدانات دولية ومطالبات بمحاسبة المسؤولين عنها.
تفجيرات الريحانية.. اتهامات من السلطات التركية
امتدت الاتهامات الموجهة إلى معراج أورال خارج الأراضي السورية، إذ اتهمته السلطات التركية بالضلوع في تفجيرات مدينة الريحانية الحدودية في 11 أيار 2013.
وأسفرت التفجيرات عن مقتل 52 شخصاً، بينهم مواطنون أتراك وسوريون، وإصابة آخرين، فضلاً عن إلحاق أضرار واسعة بالممتلكات.
واتهمت السلطات التركية أشخاصاً مرتبطين بتنظيمات مسلحة على صلة بالمخابرات السورية بتنفيذ الهجوم، وورد اسم أورال ضمن الشخصيات التي اتهمتها أنقرة بالتخطيط له أو الارتباط بالمجموعات المسؤولة عنه.
كما وجهت إليه اتهامات بالإشراف على معسكرات تدريب وإيواء لمجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السوري، قالت السلطات التركية إنها شاركت في أنشطة استهدفت أمن البلاد.
وفي عام 2018، أعلنت تركيا إدراج اسمه ضمن القائمة الحمراء للمطلوبين بتهم الإرهاب، ورصدت مكافأة مالية قدرها أربعة ملايين ليرة تركية لمن يقدم معلومات تساعد في الوصول إليه.
محاولات اغتيال وأنباء متكررة عن مقتله
شهدت سنوات الحرب السورية انتشار أنباء متكررة عن مقتل معراج أورال، بالتزامن مع تعرضه لمحاولات اغتيال واستهداف، قبل أن يظهر في مناسبات لاحقة وينفي عملياً تلك الأنباء.
وفي آذار 2016، أعلنت حركة أحرار الشام مقتله خلال معارك في ريف اللاذقية، عقب استهداف مواقع عسكرية في المنطقة.
غير أن وسائل إعلام موالية للنظام السابق نفت الخبر، قبل أن يظهر أورال لاحقاً في تسجيل مصور إلى جانب الطيار محمد صوفان، الذي كانت السلطات التركية قد أفرجت عنه وسلمته إلى النظام السوري.
وفي تشرين الأول من العام نفسه، تعرض مكتب تابع لتنظيمه في ريف اللاذقية للاستهداف، ما أدى، وفق المعلومات المتداولة حينها، إلى إصابته بجروح.
كما نجا خلال عامي 2018 و2019 من انفجارات عبوات ناسفة استهدفت سيارته، وأسفرت بعض تلك الهجمات عن سقوط قتلى وجرحى من مرافقيه.
وفي أيلول 2020، تعرض لمحاولة استهداف جديدة على طريق البسيط أثناء توجهه إلى منطقة كسب بريف اللاذقية، واتهم تنظيمه الحكومة التركية بالوقوف وراء العملية.
الاعتقال يعيد ملف المجازر إلى الواجهة
بعد عقود من النشاط المسلح والعلاقات الأمنية، وسنوات من قيادة تشكيلات قاتلت إلى جانب قوات الأسد، عاد اسم معراج أورال إلى الواجهة مع إعلان جهاز الاستخبارات العامة السوري القبض عليه أثناء محاولته الفرار عبر الحدود.
ويأتي توقيفه بعد أسابيع من اعتقال نائبه جمال طرابلسي، في تطور يعيد الاهتمام بملف المجموعات المسلحة التي ساندت النظام السابق، والاتهامات المتعلقة بالانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين خلال سنوات الثورة.
ويكتسب اعتقال أورال أهمية خاصة لارتباط اسمه بمجزرتي البيضا وبانياس عام 2013، وما رافقهما من اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة بحق المدنيين.
ويبقى تحديد مسؤوليته الجنائية عن تلك الأحداث، وغيرها من الوقائع المنسوبة إليه، مرتبطاً بنتائج التحقيقات وما قد يصدر عن الجهات القضائية المختصة من قرارات وأحكام، في إطار مسار المحاسبة على الجرائم المرتكبة خلال سنوات الثورة السورية.