«رجعت حليمة لعادتها القديمة».. حكاية السمن التي تحولت إلى مثل شعبي تتناقله الأجيال

العروبة – خاص

تختصر الأمثال الشعبية حكايات وتجارب إنسانية تناقلتها الأجيال، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية وحاضرة في الأحاديث اليومية، بما تحمله من معانٍ ودروس مستمدة من الحياة. ومن بين هذه الأمثال عبارة «رجعت حليمة لعادتها القديمة»، التي تتردد كلما عاد شخص إلى سلوك سابق بعدما اعتقد المحيطون به أنه تخلص منه، لكن وراء هذه الكلمات القليلة حكاية شعبية طريفة ارتبطت باسم حليمة وزوجها حاتم الطائي.

وتروي إحدى الجدات حكاية المثل، موضحة أنه يُضرب للشخص الذي يحاول التخلي عن عادة اعتادها، وينجح في تغيير سلوكه لفترة، قبل أن يعود إلى ما كان عليه، وكأن محاولته لم تستطع أن تصمد أمام طبعه القديم.

حليمة زوجة الرجل المعروف بالكرم

تنسب الرواية الشعبية المتداولة المثل إلى حليمة، زوجة حاتم الطائي الذي ارتبط اسمه في التراث العربي بالكرم والسخاء، حتى أصبح مضرباً للمثل في الجود والعطاء.

وعلى خلاف زوجها، تصف الحكاية حليمة بأنها كانت شديدة الحرص على ما لديها، وتميل إلى الاقتصاد في استخدام الطعام ومكوناته، ولا سيما السمن الذي كانت تقلل الكمية المضافة منه إلى القدر.

وكان هذا السلوك، وفق الحكاية، يلفت انتباه زوجها الذي أراد أن يشجعها على التخلي عن شدة الحرص، والاعتياد على مزيد من السخاء في إعداد الطعام.

حيلة حاتم لتغيير عادة زوجته

تروي الحكاية أن حاتم الطائي لجأ إلى حيلة بسيطة لتغيير عادة زوجته، فأخبرها بأن المرأة التي تزيد ملعقة من السمن في طعامها يزداد عمرها يوماً إضافياً.

وتأثرت حليمة بهذه المقولة، وبدأت تضيف المزيد من السمن إلى الطعام، اعتقاداً منها بأن ذلك قد يساعدها على إطالة عمرها.

ومع مرور الأيام، اعتادت زيادة الكمية التي تستخدمها، بعدما كانت تحرص على تقليلها، حتى بدا أن سلوكها القديم قد تغير، وأنها تخلت عن عادتها السابقة.

حزن أعاد حليمة إلى عادتها

لكن الحكاية تأخذ منحى حزيناً عندما تتحدث عن وفاة ابن حليمة الوحيد، وما تركته هذه الفاجعة من أثر عميق في نفسها.

وتروي الجدة أن حليمة حزنت على ابنها حزناً شديداً، حتى تمنت لو تلحق به، وعندها تذكرت ما أخبرها به زوجها عن العلاقة بين زيادة السمن وطول العمر.

وبحسب الرواية، اعتقدت حليمة أن تقليل كمية السمن قد يؤدي إلى نقصان عمرها، فعادت إلى استخدام كميات قليلة منه في إعداد الطعام، كما كانت تفعل في السابق.

وهكذا رجعت إلى عادتها القديمة، ولكن هذه المرة بدافع الحزن والرغبة في اللحاق بابنها، بعدما كانت قد غيرتها أملاً في إطالة عمرها.

كيف أصبح الموقف مثلاً شعبياً؟

تقول الحكاية إن الناس لاحظوا عودة حليمة إلى سلوكها السابق، بعدما اعتادوا رؤيتها تستخدم المزيد من السمن في الطعام، فقالوا: «رجعت حليمة لعادتها القديمة».

ومنذ ذلك الحين، وفق الرواية الشعبية، أصبحت العبارة مثلاً يُضرب لمن يعود إلى عادة أو تصرف قديم، بعد فترة من التغيير أو محاولة التخلي عنه.

ومع مرور الزمن، تجاوز استخدام المثل تفاصيل الحكاية الأصلية، وأصبح يُقال في مواقف مختلفة، عندما يعود شخص إلى سلوك كان قد توقف عنه، أو تتكرر تصرفات اعتقد الآخرون أنها انتهت.

حكاية متوارثة لا واقعة موثقة

تندرج قصة حليمة ضمن الروايات الشعبية المتداولة لتفسير أصل المثل، ولا تعني شهرتها أن جميع تفاصيلها ثابتة تاريخياً.

فالأمثال كثيراً ما تنتقل شفهياً بين الأجيال، وترافقها حكايات تفسر معانيها أو تربطها بشخصيات معروفة في التراث، وقد تختلف بعض تفاصيل هذه الروايات باختلاف الرواة.

ومع ذلك، تبقى القيمة الأساسية للمثل في المعنى الذي يحمله، وقدرته على التعبير بكلمات قليلة عن مواقف تتكرر في حياة الناس.

الأمثال الشعبية ذاكرة الأجيال

تحافظ الأمثال الشعبية على حضورها في المجتمعات لأنها تختصر تجارب إنسانية مألوفة بعبارات سهلة الحفظ والتداول، وتمنح الأحاديث اليومية صوراً ومعاني مستمدة من التراث.

ويُعد مثل «رجعت حليمة لعادتها القديمة» نموذجاً لهذه الأمثال التي ظلت متداولة رغم تغير الأزمنة، إذ لا تزال عبارته تُستخدم للتعبير عن العودة إلى السلوك السابق بعد محاولة تغييره.

وبين طرافة الحكاية وحزن نهايتها، تبقى قصة حليمة واحدة من الروايات التي تتناقلها الأجيال، شاهدة على قدرة التراث الشعبي على تحويل المواقف الإنسانية إلى كلمات قليلة تعيش طويلاً في ذاكرة الناس.

المزيد...
آخر الأخبار
بمشاركة فلسطينية.. معرض «الأنامل الذهبية» يبرز مهارات المرأة العاملة في حمص قصة شهيد: حسين الحسين.. «عندليب العدية».. حكاية منشد جمع أبناء حمص على هتافات الحرية باسل عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.. تعرف إلى مسيرته المهنية معالم من حمص: من باب هود إلى سوق الحشيش.. سيباط زين العابدين شاهد على عمارة حمص القديمة عقيل حسين يحذر من تأجيج الانقسامات عبر الإعلام ويدعو إلى تعزيز التماسك المجتمعي سوريا ومجموعة البنك الدولي تتفقان على إنشاء صندوق ائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار النشرة الرياضية: حمص تتوج بأولمبياد الشطرنج والكرامة يحقق فوزين في منافسات الشباب سوريا تجدد رفض الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وتؤكد تمسكها بسيادتها اقتصاد العروبة: أسعار الصرف والذهب اليوم.. مشاريع صناعية في حسياء ومباحثات للتمويل الدولي فرحة شعبية باعتقال معراج أورال واستعادة لذكريات المجازر.. العدالة مطلب أهالي بانياس