العروبة – خاص
يُعد سيباط زين العابدين، المعروف محلياً باسم «سيباط الأديب»، أحد المعالم العمرانية التاريخية في حي باب هود بمدينة حمص القديمة، ويعود تاريخ بنائه إلى عام 1305 هجري الموافق 1887 ميلادي، وفق المصادر التوثيقية، ويتميز بعقد حجري من البازلت يعكس جانباً من أساليب البناء التقليدية التي عُرفت بها المدينة.
وأوضح معاون أمين متحف حمص عبيده البيطار، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن السيباط يقع غرب جامع القاسمي، ويربط بين شارع أبي العوف وسوق الحشيش المعروف بسوق «الخضرة»، مشيراً إلى أن أهميته لا تقتصر على قيمته المعمارية، بل تشمل دوره التاريخي في ربط الأحياء والأسواق وتسهيل حركة السكان ضمن النسيج العمراني القديم.
ممر تاريخي يربط الشارع بالسوق
بيّن البيطار أن السيباطات شكّلت أحد العناصر المميزة للعمارة التقليدية في المدن القديمة، ولم يقتصر استخدامها على توفير ممرات مسقوفة، بل أدّت وظائف عمرانية واجتماعية متعددة.
وأوضح أنها وفّرت الحماية للمارة من أشعة الشمس والأمطار، وأسهمت في ربط أجزاء مختلفة من الأحياء، كما تداخلت في بعض المواقع مع الأبنية السكنية والدينية المحيطة بها.
وأشار إلى أن سيباط زين العابدين ارتبط بالحركة اليومية بين شارع أبي العوف وسوق الحشيش، إذ وفّر ممراً مختصراً ومغطى ضمن منطقة عُرفت بنشاطها السكاني والتجاري.
وتبرز أهمية هذا الموقع في ارتباطه المباشر بحركة السكان والمتسوقين، حيث كان السيباط جزءاً من شبكة الممرات التي تصل بين الشوارع والأسواق والأحياء السكنية.
وأكد البيطار أن القيمة التاريخية للسيباط ترتبط بعلاقته بالمكان المحيط به، بوصفه حلقة وصل بين الشارع والسوق والحي، وشاهداً على طبيعة التخطيط العمراني الذي جمع الوظائف السكنية والتجارية والدينية ضمن مساحات متقاربة.
البازلت في العمارة الحمصية التقليدية
يتميز سيباط زين العابدين بعقد حجري مشيّد من البازلت، وهو من مواد البناء المحلية التي استُخدمت على نطاق واسع في عمارة حمص القديمة.
وأوضح البيطار أن العقد الحجري يعكس أساليب إنشائية تقليدية اعتمدت على الحجر في تغطية الممرات وتحقيق الاستقرار الإنشائي، إلى جانب انسجامه مع طبيعة الأبنية المحيطة.
وأشار إلى أن استخدام البازلت يمثل إحدى السمات البارزة للعمارة الحمصية، التي تميزت بتوظيف المواد المحلية في تشييد الأبنية والممرات والعناصر المعمارية المختلفة.
كما يعكس تصميم السيباط طبيعة النسيج العمراني التقليدي، الذي سمح بتداخل الوظائف المرورية والسكنية والتجارية، بما يلبي احتياجات السكان اليومية.
ولا تنفصل القيمة المعمارية للعقد البازلتي عن وظيفته، إذ يجمع بين أسلوب البناء التقليدي وتوفير ممر يخدم حركة المشاة بين أجزاء الحي.
السيباطات بين البقاء والاندثار
أشار البيطار إلى أن التوسع العمراني والتغيرات التي طرأت على النسيج التقليدي لمدينة حمص القديمة أدّت إلى اندثار عدد من السيباطات التي كانت تنتشر في أحيائها، فيما بقي عدد محدود منها شاهداً على هذه المرحلة من تاريخ المدينة.
وتبرز أهمية المعالم المتبقية في توثيق الخصائص العمرانية التي ميّزت حمص القديمة، ولا سيما أساليب البناء بالحجر والعلاقة بين الممرات والأسواق والمساكن.
ويواجه هذا النوع من المنشآت التاريخية تحديات تتعلق بالحفاظ على بنيته الأصلية، في ظل التغيرات العمرانية وتراجع بعض الوظائف التقليدية للمناطق المحيطة به.
مخاطر الترميم غير المدروس والتعديات
تشمل أبرز التحديات التي تهدد السيباطات التاريخية أعمال الترميم غير المدروسة، واستخدام مواد بناء حديثة لا تتوافق مع المواد الأصلية، الأمر الذي قد يؤثر في خصائصها المعمارية.
كما يشكل تسرب المياه إلى الحجر، والتعديات الإنشائية والبصرية، وضعف الصيانة الدورية، عوامل قد تؤثر في سلامة هذه المنشآت ومظهرها التاريخي.
وتضاف إلى ذلك التغيرات التي تطرأ على استخدامات المناطق القديمة، وتراجع بعض الأنشطة التقليدية التي ارتبطت بالممرات والأسواق والأحياء.
وتستدعي هذه التحديات التعامل مع السيباطات بوصفها عناصر من التراث العمراني، تتطلب مراعاة طبيعة موادها وأساليب بنائها عند تنفيذ أي أعمال صيانة أو ترميم.
التوثيق المعماري أساس الحفاظ على المعلم
تتطلب حماية سيباط زين العابدين إجراء توثيق معماري دقيق يشمل الرفع الهندسي والتصوير الفوتوغرافي وتحديد مواد البناء المستخدمة، إلى جانب دراسة حالته الإنشائية.
وتبرز أهمية مقارنة وضعه الحالي بالصور والوثائق التاريخية المتاحة، بهدف تحديد التغيرات التي طرأت عليه، وتوفير المعلومات اللازمة لأي أعمال ترميم مستقبلية، كما يساعد التوثيق في الحفاظ على الخصائص الأصلية للمعلم، والحد من التدخلات التي قد تؤدي إلى تغيير شكله أو الإضرار بعناصره المعمارية.
ويُعد اعتماد أساليب صيانة تراعي طبيعة الحجر البازلتي والتكوين الإنشائي التقليدي من المتطلبات الأساسية للحفاظ على السيباط بوصفه جزءاً من التراث العمراني للمدينة.
معلم يرتبط بذاكرة حمص القديمة
يمثل سيباط زين العابدين أحد الشواهد الباقية على طبيعة الحياة العمرانية والاجتماعية في حمص القديمة، حيث ارتبطت الممرات المسقوفة بحركة السكان والأسواق والأبنية السكنية والدينية.
وتنبع قيمته من احتفاظه بخصائص معمارية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، إلى جانب موقعه الذي يربط شارع أبي العوف بسوق الحشيش في حي باب هود.
ومع اندثار عدد من السيباطات التاريخية وتغير ملامح بعض أحياء المدينة، تبرز أهمية الحفاظ على المعالم المتبقية وتوثيقها وصيانتها وفق أسس علمية، لضمان استمرار حضورها ضمن النسيج العمراني لحمص القديمة وحماية جانب من تراثها المعماري للأجيال المقبلة.