العروبة – خاص
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين تحديد هوية رفات شخصين باستخدام اختبارات الحمض النووي (DNA)، في أول حالتين من نوعهما تعلنهما الهيئة في سوريا، ضمن الجهود الرامية إلى الكشف عن مصير المفقودين والتعرف إلى الرفات البشرية، وفق تقرير نشرته وكالة رويترز الثلاثاء.
وكشف التقرير عن تأكيد ثلاث حالات لتحديد هويات رفات مفقودين خلال عام 2026، أنجزت الهيئة الوطنية للمفقودين حالتين منها، فيما تولت منظمات سورية ودولية الحالة الثالثة، التي شملت رفات أفراد من عائلة فقدت خلال المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الرقة عام 2017.
وأبلغت الهيئة عائلتي الشخصين اللذين حُددت هويتهما بنتائج الفحوص، بعد مراجعتها من خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من دون الإعلان عن أسماء الضحايا أو ظروف وفاتهم.
أول نتائج مؤكدة لبرنامج تحديد الهويات
تمثل الحالتان اللتان أعلنت عنهما الهيئة الوطنية للمفقودين أول نتائج مؤكدة لعمليات تحديد الهوية باستخدام الحمض النووي ضمن عملها المعلن، في ظل استمرار الجهود لجمع المعلومات المتعلقة بالمفقودين ومطابقة عينات الرفات مع العينات المرجعية لأقاربهم.
وبحسب رويترز، جمعت الهيئة 29 عينة من الحمض النووي لأقارب مفقودين في حالات أشارت فيها الأدلة المتاحة إلى احتمال وجود تطابق مع رفات بشرية، وأسفرت الفحوص عن تحديد هويتين بصورة مؤكدة.
وجاء إعلان النتائج بعد مراجعة فنية أجراها خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل إبلاغ العائلات المعنية.
عائلة من الرقة.. تحديد الهوية بعد تسع سنوات
تناول تقرير رويترز حالة عائلة من مدينة الرقة فقد أفرادها خلال آب 2017، عندما كانت المدينة تشهد معارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية وغارات جوية.
وكانت منار عليوي تحتمي مع سبعة من أقاربها داخل مبنى في المدينة، قبل أن ينقطع الاتصال بهم خلال الشهر نفسه.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن المبنى تحول إلى ركام بين 19 و25 آب 2017، لكن العائلة لم تتمكن طوال السنوات التالية من معرفة ما إذا كان أقاربها قد قضوا داخل المبنى أم غادروه قبل وفاتهم في مكان آخر.
وفي عام 2024، عثرت منظمة تعمل في إزالة الألغام على رفات بشرية متحللة في موقع المبنى، قبل أن يستعيدها محققون جنائيون سوريون في وقت لاحق من العام نفسه.
الوثائق الشخصية وعينات الحمض النووي تقود إلى التعرف على الرفات
ساعد العثور على وثائق شخصية في موقع المبنى على الوصول إلى شقيقة منار عليوي، التي أكدت أن أفراد العائلة كانوا يحتمون داخله خلال تلك الفترة.
وجمع المحققون عينات مرجعية من الحمض النووي لأقارب المفقودين، بهدف مقارنتها بالعينات المستخرجة من الرفات البشرية التي عُثر عليها.
وبعد تحليل العينات ومراجعة إفادات الأقارب، أكدت مؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا أن الرفات تعود إلى منار عليوي وزوجها وأطفالها الخمسة، بينهم طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات.
وأُبلغ أفراد العائلة الناجون بنتائج تحديد الهوية في أيلول 2026، بعد استكمال إجراءات المطابقة والتحقق.
وشاركت في العملية منظمة المركز السوري للعدالة والمساءلة، إلى جانب فريق سوري مختص بالمفقودين والأدلة الجنائية ومؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا.
تحديد الهوية يتيح للعائلة دفن أفرادها
نقلت رويترز عن محمد حمادة، نجل منار عليوي والناجي الوحيد من أسرتها المباشرة، أن تحديد هويات أفراد عائلته أتاح للناجين دفن رفاتهم وزيارة قبورهم.
وجاءت هذه النتيجة بعد سنوات من عدم معرفة مصير أفراد العائلة أو مكان وفاتهم، قبل العثور على الرفات وإجراء الفحوص الجنائية اللازمة للتعرف إليها.
وتوضح هذه الحالة دور الجمع بين الأدلة الميدانية والوثائق الشخصية وإفادات الأقارب والتحاليل الجينية في تحديد هوية الرفات البشرية، ولا سيما في الحالات التي مضت عليها سنوات طويلة.
تقديرات أممية: ما بين 130 ألفاً و300 ألف مفقود
تشير تقديرات أممية نقلتها وكالة رويترز إلى أن عدد المفقودين في سوريا يتراوح بين 130 ألفاً و300 ألف شخص، نتيجة الاختفاءات المرتبطة بحكم عائلة الأسد، وانتهاكات تنظيم الدولة الإسلامية، وظروف أخرى خلال سنوات الحرب.
وأفادت الهيئة الوطنية للمفقودين بأنها جمعت نحو 96 ألف ملف من الوزارات السورية والمنظمات غير الحكومية، في إطار جهود حصر المعلومات المتعلقة بالمفقودين.
كما جمعت نحو ألفي عينة من رفات بشرية عُثر عليها في مواقع يُشتبه بأنها مقابر جماعية، بهدف الاستفادة منها في عمليات الفحص والمطابقة وتحديد الهويات.
وتعكس هذه الأرقام حجم الملفات والعينات التي يجري العمل عليها، مقابل العدد المحدود من الحالات التي أُعلن تأكيد هوياتها حتى الآن.
نحو 100 بلاغ جديد يومياً
أوضحت الهيئة الوطنية للمفقودين أن برنامجها الوطني، الذي أُطلق في 30 آب 2026، يستقبل نحو 100 بلاغ جديد عن مفقودين يومياً.
ويشمل عمل البرنامج جمع البيانات المتعلقة بالمفقودين، ومتابعة المعلومات المتاحة عن الرفات البشرية، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بالحصول على العينات المرجعية من أقارب المفقودين.
ولا تزال قاعدة البيانات الوطنية للمفقودين غير مطلقة، وفق المعلومات التي أوردتها رويترز، في وقت تتواصل فيه جهود تطوير البنية الفنية اللازمة لعمليات تحديد الهوية.
مختبر للحمض النووي يدخل الخدمة في أيار 2027
كشفت الهيئة عن تعاونها مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإنشاء مختبر متخصص في فحوص الحمض النووي، يُتوقع أن يدخل الخدمة في أيار 2027.
وتعمل الهيئة أيضاً على إنشاء مختبر ثان بالتعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وبدعم من الاتحاد الأوروبي.
ويأتي العمل على إنشاء المختبرين ضمن مساعي تطوير القدرات الوطنية في مجال التحاليل الجينية والتعرف إلى الرفات البشرية، بما يدعم عمليات المطابقة بين عينات المفقودين وأقاربهم.
نقص المعدات والخبرات يعرقل عمليات تحديد الهوية
تواجه عمليات البحث عن المفقودين وتحديد هويات الرفات تحديات فنية ولوجستية، تشمل نقص الخبرات والمعدات الجنائية اللازمة للفحص والتحليل.
وتضاف إلى ذلك صعوبات الوصول إلى المواقع التي تحتوي على رفات بشرية، وجمع عينات الحمض النووي من أقارب المفقودين، وهي إجراءات أساسية لإتمام عمليات المطابقة.
كما يتطلب استكمال العمل تطوير قواعد البيانات وتنسيق الجهود بين المؤسسات الحكومية والمنظمات السورية والدولية المختصة.
استكمال بناء القدرات الفنية وتوسيع عمليات المطابقة
تقتصر النتائج المؤكدة التي أوردتها رويترز خلال عام 2026 على ثلاث حالات لتحديد الهويات، بينها حالتان أنجزتهما الهيئة الوطنية للمفقودين، وحالة ثالثة تولتها منظمات سورية ودولية.
وتواصل الهيئة جمع ملفات المفقودين وعينات الرفات والعينات المرجعية من الأقارب، بالتوازي مع العمل على إنشاء مختبرين متخصصين في فحوص الحمض النووي.
وتتمثل الخطوات المقبلة المعلنة في استكمال تجهيز المختبر المتوقع تشغيله في أيار 2027، وتطوير القدرات الجنائية وقاعدة البيانات الوطنية، وتوسيع عمليات المطابقة التي يمكن أن تساعد في تحديد مصير مزيد من المفقودين وإبلاغ عائلاتهم بالنتائج.