المُفارَقةُ الُّلغويَّةُ في العناوين الشّعريّة…عبد الكريم النّاعم أنموذجاً (2)

          يطالعنا الشاعر :  عبد الكريم النّاعم  في مجموعته الموسومة بـ : (حصاد الشمس)   
بـ عنوان قصيدته : (صلاة غائب على جنازة حاضرة ) وهو عنوان يعتمد التداعي الترادفي  من خلال أربع كلمات  تنتمي إلى  حقول دلالية متباينة ،  إذ تنتمي مفردة : (الصلاة) إلى حقل العبادة فيما لفظتا : ( حضور وغياب )  متضادان ينتميان إلى حقل الدلالة الخاص بحالات الإنسان  في الوجود ، بينما تنتمي كلمة (جنازة ) إلى حقل الموت
 تقوم البنية اللغوية في هذا العنوان على تركيب إضافي :  (صلاة غائب ) وآخر وصفي : (جنازة حاضرة ) وهما تركيبان اسميان ، والاسم يفيد في دلالته على الثبات والسكون ، وهو ما يتساوق ، والموقف الوجداني  المُعبَّر عنه في العنوان الذي جاء بأسماء نكرات ،  ليفيد التعميم والشمول وفق تراتبية ضدية  اعتمدت قطبي الحياة : المذكر والمؤنث في ملمح إلى أن الحياة إنما تقوم على هذه المعادلة التي عبَّر عنها الشاعر في هذا المشهد الحياتي الذي يمكن أن يعيشه المتلقي ، وقد توَّج العنوان دلالياً ،  ليؤكد أولاً الحالة  النفسية التي تُعبر عن الخشوع والجلال ، وهما من مقتضيات الصلاة ، فيما جاء لفظ الـ ( غائب ) ليوحي بحالة الفقد التي أقيمت الصلاة من أجله ، فيما يتوسط حرف  الجر ( على ) الدال على الاستعلاء بين التوصيفين : صلاة غائب / جنازة حاضرة ، ليكون عنصر الربط بين المفردات المتناقضة على المستوى الظاهري ، بينما هي تقوم على التكامل على مستوى التأويل والحقيقة ، إذ إن كل دالّ يستدعي مصاحبه اللغوي ، فدال التركيب الأول يستدعي مصاحبه اللغوي في التركيب الثاني ما يعني علاقة تكامل وتلازم اتخذت من الثنائية الضدية أساساً تُبنى عليه ، ومساراً تسعى من خلاله في  تحقيق ارتقاء التركيب الكلي من الكلام العادي الذي يمكن أن نسمعه في يوميات حياتنا المعيشة إلى درجة عالية من الشعرية ، كما أن استخدام صيغة اسم الفاعل هنا لها دلالتها التعبيرية  ، آية ذلك أن الشاعر استخدم اسم الفاعل في غائب وحاضرة ، ليحقق فاعلية كل منهما على سبيل التضاد الذي أفضى إلى التكامل ، فيما أفادت كلمة : ـ (غائب)  النفي أفادت كلمة  (حاضرة)  الإثبات ،  ويمكن إيجاز الثنائية الضدية  في هذا العنوان بــ ثنائيات : الموت بدلاً عن : (جنازة ) / الحياة بدلاً عن : (صلاة )،
الغياب / الحضور بدلالة الصيغة الاشتقاقية التي جاءت بزنة  اسمي الفاعل : غائب وحاضرة ، و هما  يشيران إلى   ثنائية : التذكير / التأنيث ، وبذلك التناقض الظاهري استطاع الشاعر أن يحقق الانسجام على مستوى تكاملية التركيب بما أسبغه عليه من انسجام وترابط منطقي بين الحدثين والمُحْدِثَين معاً.
     أما عنوانه في قصيدته المعنونة بــ :  (نبتة في صحراء اليأس ) من الديوان نفسه
فإن ما يستوقف المتلقي فيه حالة التضاد بين طرفي العنوان الذي نهض على بنية لغوية اعتمدت حالة الثبات والسكونية ، وبذلك الثبات أحال الشاعر متلقيه على جمود المشهد الموصوف ، وانعدام حركية الحياة فيه ، وهو ما عبَّر عنه من خلال خبر حُذف مبتدأه ، إذ المقصد يتجه إلى الإبلاغ عن هذه النبتة التي تبدو منقطعةً عن مثيلاتها من فصيلة النبات لانعزالها في أرض تبعث هي الأخرى على إثارة دهشة المتلقي ، ليكون المكان الذي يختاره الشاعر ،  لإنبات هذه الــ (نبتة)  ، وهو  (الصحراء) بما ترمز إليه دلالة اللفظة من جدب وزوال حياة ، صحراء خيال شاعري جاءت على سبيل المجاز ،  لا الحقيقة ،وبإدخالها في صياغة التركيب الإضافي فقد منحها الشاعر حمولات جمالية وطاقات تعبيرية  استطاعت أن تلغي ما يمكن أن يتموضع في مصاحبتها اللغوية عبر انزياحها عن المتعارف عليه ، والمألوف بما  يكشف عن هوة الحالة النفسية التي يشعر بها الشاعر ، وهو يحاول أن يجمع بين قطبي الوجود المتناقضين من خلال استحضار ما هو حي : (نبتة ) إلى حضن ما هو باعث على الموت : (صحراء ) وفي هذا الجذب بين المتناقضين الذي يؤسس له الشاعر باستخدام التنافر الدلالي إنما  « يعمد إلى خلق التنافر داخل تراكيبه ،  و يفرض على القارىء أن يتحرك داخل التنافر،  ليكشف المخرج من داخله ،  وهو بذلك يلفت نظر القارىء إلى أن التنافر هو الطريق الوحيدة التي تؤدي الدلالة المقصودة بطريقة شعرية حقاً ، إذ لا مجال للتنافر داخل الكتابة النثرية التي تتميز وقابليتها على أن تسمح بإبراز مكنوناتها بعيداً عن أي التواء أو انحراف عما هو منطقي وراء هذا الربط ، وتخلخل المعهود والسائد ، وهي مهمة الشعر التي تحاول أن تقفز نحو مجاهيل العلاقات المتنافرة ، لتخلق لغتها الجديدة فـإن َّ: (القدرة الشعرية كفيلة بالتفكير بما هو متناقض ، والعمل على مزجه وتوحيده ) ،وهو ما يتبدى لنا في عنوان الشاعر السابق الذي جمع بين المتناقضات ، فزرع الــ : ( نبتة ) في مكان لا يتوقعه الذهن ، ما يُحقّق للصحراء دلالتها التي تنأى عن تموضعها الموضوعي بتعبيرها عن أحد مُسميّات المكان الجغرافي ، لتتحوّل إلى بُعدٍ ذاتي يرتبط بالحالة النفسية التي يحياها الشاعر ، والموقف الانفعالي الذي يُعبّر عنه .
 د. وليد العرفي 

المزيد...
آخر الأخبار
بعد القبض على معراج أورال.. حقوقي يطالب بالتحقيق في مسؤوليته المحتملة عن مجزرة الحولة باحثان من هيئة الطاقة الذرية السورية ضمن أعلى 2% من العلماء الأكثر تأثيراً عالمياً سوريا تعلن بدء تدمير مواد كيميائية مكتشفة والاتحاد الأوروبي يشيد بتقدمها في نزع السلاح العروبة تتحقق: آثار حمص تنفي تعرض دار مفيد الأمين للتخريب أو التنقيب الأثري وزير العدل: لا حصانة من المساءلة والعدالة تتحقق بالقانون لا بالانتقام تيرمعلة بعد 11 عاماً على حملة الأسد وروسيا.. شهادات توثق المجازر ومعارك الصمود النشرة الرياضية: الجيش يحقق فوزه الأول في الدوري.. ودمشق تستضيف بطولتين بالمبارزة وكرة الطاولة مجلس مدينة حمص يكثف تعزيل المصارف المطرية استعداداً للشتاء.. ونقص الآليات والأغطية أبرز التحديات تقرير إنساني يصنّف السخنة بين المناطق الأشد خطورة في سوريا.. والمياه أبرز التحديات اقتصاد العروبة: حسياء تمنح 29 ترخيصاً صناعياً والمركزي يشدد إجراءات مكافحة الصرافة غير المرخصة