قسد مطالبة بإثبات مصداقيتها عبر الأفعال لا الأقوال

بعد أيام على حديث مظلوم عبدي رئيس الهيئة التنفيذية للإدارة الذاتية بشمال شرق سوريا، والذي أعاد فيه التأكيد على الانفتاح نحو الحوار مع الدولة السورية، صدر عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين السورية تعقيبٌ مفصّلٌ وحازم، لم يكن رَدّاً اعتيادياً، بل جاء كمرآة عاكسة للهوة العميقة بين الخطاب الإعلامي المُطمئن الذي تروّجه قيادة قسد من جهة، والواقع المتجمد على الأرض من جهة أخرى.

يتحرّك التصريح في مسارين متوازيين يشخص الأول بشكل دقيق واقع الانقسام المُكرَّس، والثاني نداء واضح موجهٌ لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية للانتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل، ودفع اتفاق العاشر من آذار من أدراج النظرية إلى ساحة التطبيق.

وبات من الواضح وجود نقاط تناقض جوهرية في تصريحات مسؤولي قسد، فبينما تتردّد عبارات الوحدة والسيادة، نرى الواقع في شمال شرق سوريا يُشكِّل نقيضاً صارخاً لها، فالمؤسسات الإدارية والأمنية والعسكرية القائمة هناك تعمل بشكل منفصل عن مؤسسات الدولة، وهو ما لا يعكس حالة مؤقتة بقدر ما يُعمِّق الشرخ ويكرّس الانقسام، وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن الحديث عن وحدة وطنية بينما تُدار أجزاء من البلاد بهياكل سلطة موازية ومستقلة؟
وفي هذا السياق، بات من الممكن توجيه اتهام مباشر لطريقة تعاطي قسد مع اتفاق آذار، فجميع الوعود والحديث عن دمج المؤسسات، بقيت حبيسة التصريحات النظرية، دون أن تُترجم إلى خطوات ملموسة أو حتى جداول زمنية واضحة.

هذا الغياب الكامل للإطار التنفيذي يُغذّي شكوكاً مشروعة حول مدى الجدية الحقيقية في الالتزام بالاتفاق من الأساس، فالحوار، الذي تستمر قيادة قسد في الإشارة إليه كدليل على الانفتاح، يُوصَف في التصريح بأنه لم يُسفر عن أي نتائج محسوسة، بل قد يُستخدم – وفق الرؤية الرسمية – كأداة لامتصاص الضغوط السياسية والإعلامية، في وقت يظل الواقع على الأرض جامداً بانتظار إرادة حقيقية للتحرك.

وليس هذا فحسب، بل يمتد التشخيص إلى لبّ مسألة السيادة، مجسّداً في الملفين العسكري والاقتصادي، فمن ناحية، يُعتبر استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الجيش السوري، وبقيادات مستقلة وارتباطات خارجية واضحة، أمراً يناقض أي حديث عن تفاهمات ويُعطّل أي أفق للاستقرار، ومن ناحية أخرى، فإن السيطرة الأحادية على الموارد الوطنية كالنفط، وعلى المعابر الحدودية، واستخدامها كورقة ضغط في المساومة، يُسقِط بحسب تصريحات المسؤول في الخارجية السورية، مصداقية الادعاء بأن هذه الثروات هي “ملك لجميع السوريين”، طالما أن عائداتها لا تدخل في الموازنة العامة للدولة ولا تُدار من خلال مؤسساتها.

كما ينبّه المصدر إلى خطر التحوّل في مفهوم الإدارة المحلية، فالطرح الحالي لما يُسمى باللامركزية، يتحول من كونه ترتيباً إدارياً بحتاً إلى شكل من أشكال اللامركزية السياسية والأمنية التي تهدد كيان الدولة الواحدة، ويُرفَق هذا بانتقاد خطاب “إدارة المنطقة من قبل أهلها”، باعتباره يغطي على واقع من الاحتكار السياسي والإقصاء، وغياب التمثيل الحقيقي لكل مكونات المجتمع المتنوعة في المنطقة.

وفي الختام فإن الكرة اليوم في ملعب قسد، وهي مطالبة بإثبات مصداقيتها عبر الأفعال لا الأقوال، والتقدم نحو كسر دائرة الجمود، وتحويل الحوار من أداة للمماطلة إلى آلية للإنجاز.

فالمستقبل السياسي لسوريا، معلّق إلى حد كبير على هذه الخطوة، ولا بد من الانتقال من مرحلة الحديث الطويل عن اتفاق آذار، إلى مرحلة الشروع الفعلي في تنفيذه، واستثمار الفرص المتاحة، والأهم استثمار الوقت للإسراع في مرحلة التعافي وإعادة إعمار سوريا، كل سوريا.

المزيد...
آخر الأخبار