إطلاق العملة الجديدة يضبط السوق النقدية ويستعيد الثقة .. النائب العلمي في كلية الاقتصاد: القوة الشرائية الفعلية للمواطنين لن تتغير
مع إطلاق العملة الجديدة تتجدد تساؤلات المواطنين ومخاوفهم حول ما ينتظر العملة القديمة التي بحوزة البعض منهم وزمن وآلية استبدالها، وهل ستشكل حلا سحريا للتداول النقدي..
للإجابة على التساؤلات المطروحة حول الأهداف الحقيقية لهذه العملية، ومخاطرها المحتملة على التضخم والدولرة، وتقييم مدى فعاليتها كحل للمشكلات الاقتصادية الكلية وتأثيرها المباشر على القوة الشرائية للمواطن, تواصلت العروبة مع “النائب العلمي في كلية الاقتصاد بجامعة حمص الأستاذ المساعد زكريا محمد ديب الزلق الذي أوضح أن عملية استبدال العملة ، التي تشمل تغيير شكلها العملة أو فئاتها و إزالة الصفرين منها، تعد إجراءً فنياً ذو أبعاد اقتصادية ونفسية
الأهداف الحقيقية
وأضاف: إن الهدف الأساسي لعملية استبدال العملة هو تنظيم التداول النقدي وتيسيره هو تأكيد صحيح في جوهره، لكنه يمثل جزءاً من الصورة الأكبر، فبالإضافة إلى معالجة التلف في الأوراق النقدية وتسهيل المعاملات اليومية بإزالة الأصفار، تخدم هذه العملية أهدافاً اقتصادية أعمق,إضافة إلى ضبط السوق النقدية واستعادة الثقة، حيث تهدف العملية إلى السيطرة على الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات المصرفية الرسمية، والتي قد تشكل نسبة كبيرة من إجمالي النقد المتداول في الاقتصادات التي تعاني من أزمات (في بعض التجارب، تجاوزت هذه النسبة 80%) ,مشيراً أن سحب هذه السيولة وإعادتها إلى المصارف يعزز من قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية,ومكافحة التزوير:حيث يتيح طرح عملة جديدة ذات مواصفات أمنية متقدمة مكافحة عمليات تزوير العملة القديمة.
مبيناً أنه في حالات التضخم المفرط، يصبح التعامل مع الأرقام الكبيرة صعباً، وإزالة الأصفار (Redenomination) يسهل قراءة البيانات الاقتصادية والمحاسبية.
وأشار أن هناك العديد من التساؤلات المطروحة والتي تشير إلى مخاطر حقيقية وموثقة في الأدبيات الاقتصادية، وهي مرتبطة بشكل أساسي بـ فقدان الثقة وسوء إدارة الفترة الانتقالية.
وأضاف :إن الخوف من أن تدفع عملية طرح العملة المواطنين للتخلّص السريع من العملة القديمة بأسعار متدنية هو مصدر قلق مشروع، يحدث هذا نتيجة لـزيادة سرعة دوران النقد حيث يشعر الأفراد بأن العملة القديمة ستفقد قيمتها أو لن يتمكنوا من استبدالها، مما يحفزهم على إنفاقها بسرعة لشراء سلع أو أصول، وهو ما يزيد من الطلب الكلي ويؤدي إلى ضغوط تضخمية فورية.
وبين أنه عند التحول إلى الفئات الجديدة، يميل التجار في كثير من الأحيان إلى تقريب الأسعار للأعلى بدلاً من الأسفل، مما يسبب تضخماً طفيفاً إضافياً يقلل من القوة الشرائية الفعلية للمواطن.
ونوه أن زيادة الاعتماد على الدولار (الدولرة)تُعد ظاهرة اقتصادية تنشأ في بيئات التضخم المزمن وعدم الاستقرار، حيث يفقد المواطنون الثقة في العملة الوطنية ويتحولون إلى العملات الأجنبية (غالباً الدولار) كوحدة حساب ومخزن للقيمة إذا لم تكن عملية استبدال العملة مصحوبة بضمانات قوية للاستقرار الاقتصادي الكلي، فإنها قد تأتي بنتائج عكسية، حيث يُنظر إليها كإجراء فني لا يعالج الأسباب الجذرية للأزمة، مما يشجّع على زيادة الاعتماد على الدولار في المعاملات اليومية, هذا ينعكس سلباً على استقرار الوضع النقدي وعلى الثقة بالعملة الجديدة نفسها، ويجعل من الصعب جداً التراجع عن الدولرة لاحقا.
وحول تساؤل المواطنين ما إذا كان استبدال العملة هل هو “حل سحري”؟ أوضح أن الجواب الاقتصادي القاطع هو لا.
فطرح عملة جديدة واستبدال القديمة لا يشكّل حلاً سحرياً لمشكلات الاقتصاد، ولا يؤدي بذاته إلى رفع قيمة العملة الوطنية أو تحسين المؤشرات الاقتصادية العامة فوراً.
حيث تُظهر التجارب الدولية، مثل حالة زيمبابوي التي استبدلت عملتها عدة مرات دون نجاح في كبح التضخم المفرط، أن نجاح العملية يعتمد على حزمة متكاملة من السياسات النقدية والمالية التي تعالج جذور المشكلة، وليس على الإجراء الفني بحد ذاته.
وأشار أن القوة الشرائية الفعلية للمواطن لن تتغير مباشرة بسبب تغيير شكل أو فئات العملة.نظرياً: إذا كان سعر السلعة 1000 وحدة قديمة، وأصبح 10 وحدات جديدة (بنسبة استبدال 100:1)، فإن القوة الشرائية تبقى كما هي.
وعملياً تتأثر القوة الشرائية بعاملين رئيسين :التضخم الناتج عن التقريب “كما ذكرنا” ، يميل التجار إلى التقريب للأعلى، مما يقلل القوة الشرائية للمبالغ الصغيرة، وسعر الصرف في السوق الموازي إذا أدت عملية الاستبدال إلى فقدان الثقة، فإن سعر العملة الوطنية مقابل الدولار في السوق الموازي سينخفض، مما يرفع أسعار السلع المستوردة ويقلل بشكل كبير من القوة الشرائية الفعلية للمواطن .
لذلك فإن الحفاظ على القوة الشرائية للعملة الجديدة يتطلب من البنك المركزي الحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال سياسات نقدية منضبطة ودعم من احتياطيات النقد الأجنبي.
وختم :إطلاق العملة الجديدة أداة فنية ضرورية لتنظيم التداول النقدي، لكنه ليس علاجاً سحرياً لضمان نجاحه وتجنب الضغوط التضخمية والدولرة، يجب أن يترافق مع شفافية عالية في عملية الاستبدال لتعزيز ثقة المواطنين وسياسات نقدية ومالية صارمة للسيطرة على لتضخم,وضمانات قوية لاستقرار سعر الصرف للعملة الجديدة.
بشرى عنقة