مرضى السرطان… تحديات ومعاناة يعيشونها في ظل الافتقار لمركز خاص بالأورام في حمص

تعاني محافظة حمص من أزمة حقيقية لمرضى السرطان، هذا الموت الصامت، حيث لا تكمن معاناتهم الحقيقية في العلاج بحد ذاته، بل في العبء المادي الذي يضيف أنينًا آخر للألم، ولكن بصمت، فلكل مريض في مركز الأورام قصة معاناة، والقاسم المشترك بينهم تحدّي الألم، والتشبث بالأمل بفرصة جديدة للحياة.

شهادات من المرضى

زارت صحيفة “العروبة” مركز الأورام في مشفى كرم اللوز، والتقت عددًا من المرضى أثناء تلقيهم الجرعات العلاجية، مصعب الخالد، يعاني من سرطان البلعوم منذ ما يقارب عشر سنوات، ويتلقى جرعة كل 21 يومًا، تبلغ كلفتها مليون ليرة سورية، إضافة إلى صورة PET Scan كل ستة أشهر بكلفة مليونين ونصف المليون ليرة، وجميع هذه التكاليف على نفقته الشخصية.

وكذلك الحال بالنسبة للمريضة هنادي نيصافي، المصابة بسرطان نقي العظم، حيث تتلقى جرعات متفاوتة تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية شهريًا، أما ديمة جعلوك، المصابة بسرطان الغدد اللمفاوية، فتتلقى جرعة كل خمسة عشر يومًا بقيمة مليون ليرة سورية.

وجميع المرضى يتحملون تكاليف الجرعات على نفقتهم الخاصة، لعدم توفر معظم الأدوية في المركز، باستثناء السيرومات التي تتوفر بين الحين والآخر.

أسباب المرض

أوضح الدكتور سامر توما، رئيس قسم الدم والأورام في مشفى كرم اللوز، لـ “العروبة”، أن هناك عوامل مؤهلة لحدوث السرطان، من أبرزها التدخين، والملوثات الصناعية الناتجة عن عوادم السيارات والمصانع وعمليات الاحتراق في البيئة، إضافة إلى الملوثات الغذائية مثل سقاية المزروعات بمياه ملوثة، واستخدام المواد المضافة، والاعتماد على المنتجات المصنعة من النايلون والبلاستيك.

وأضاف أن هناك عوامل أخرى، منها الوراثية والجينية، فضلًا عن دور السمنة الكبير في الإصابة، ولفت إلى أن العلاج الشعاعي قد يكون أحد الأسباب المؤهلة لحدوث السرطان من جديد، إضافة إلى بعض الأدوية الكيماوية المستخدمة في العلاج، وبعض الأمراض مثل فيروس التهاب الكبد وسرطان عنق الرحم.

ذكر الدكتور توما أن أعداد المرضى والمراجعين ازدادت بعد التحرير، ولا سيما مع عودة الأهالي المهجرين، حيث يستقبل المركز يوميًا ما بين 70 – 80 مريضًا ومراجعًا، عدا حالات الإسعاف.

أنواع الأورام

وأشار إلى أن أكثر السرطانات شيوعًا هو سرطان الثدي لدى السيدات، وسرطان البروستات لدى الرجال، تليها أورام الرئة والقولون. أما لدى الأطفال، فتُعد سرطانات الدم والجهاز العصبي الأكثر انتشاراً، بينما يُعد سرطان الرئة الأخطر على الإطلاق، نظراً لارتباطه المباشر بالجهاز التنفسي، وللأسف لم يتم حتى الآن اكتشاف ما يُعرف بـ “الواسمات الورمية” الخاصة به، ما يصعّب الشفاء التام منه.

استجرار الدواء

أفاد الدكتور توما بأن وزارة الصحة ترسل سنويًا نشرة تتضمن قائمة الأدوية المعتمدة، وبناءً عليها يتم رفع كتاب بحاجة المركز من الأدوية بما يتناسب مع عدد المرضى والمراجعين، في حين تقوم الوزارة بتأمين الأدوية وفق المتوفر من الكميات والقدرة الشرائية لكل محافظة.

صعوبات ومعاناة

بيّن الدكتور لـ “العروبة” أن المركز يعاني من ضيق المكان، إذ يضم غرفتين فقط للأسرة، وعددها قليل مقارنة بعدد المرضى، إضافة إلى قاعة كبيرة تحتوي على كراسٍ لا تستوعب الأعداد، فضلًا عن كونها غير مناسبة لمريض السرطان، الذي يحتاج إلى ما يُعرف بـ “كرسي المعالجة النهارية” المخصص للحالات المتوسطة القادرة على تلقي الجرعة جلوساً.

وأشار إلى عدم توفر أجهزة حلّ الأدوية، والاعتماد على الحلّ اليدوي، إلى جانب نقص مضخات تسريب الأدوية وأكياس السيروم الصغيرة، ونوّه إلى وجود نقص في بعض الأدوية المرافقة لعلاج الأورام، والتي تُعطى للمريض خلال رحلة العلاج، ما يضطره إلى شرائها على نفقته الخاصة، إضافة إلى تكاليف الجرعات الشهرية.

وفي السياق ذاته، كشف عن افتقار المركز إلى قسم عزل، في الوقت الذي تنخفض فيه مناعة مريض السرطان عند بدء العلاج، ما يعرّضه لمخاطر صحية إضافية، كما أشار إلى الحاجة الماسة لمخبر مختص بأمراض الدم لإجراء التحاليل وتدريب الأطباء المقيمين، مبيناً أنه تم رفع كتاب إلى وزارة الصحة للنظر في هذا الأمر.

وأوضح أن المركز يضطر في كثير من الأحيان للاستعانة بالأقسام الأخرى في المشفى، بينما تُحال حالات البزل والخزعات إلى المشافي الخاصة لعدم توفر البوازل والخوازع، ما يشكل عبئاً مضاعفاً على المريض مادياً ونفسياً.

مقترحات لتطوير العمل

لفت الدكتور توما إلى ضرورة إحداث مركز مماثل في المشفى الجامعي، يخدم طلاب الدراسات العليا وطلاب الطب في التدريب العملي، وفي الوقت ذاته يقدّم الخدمة للمرضى، كما شدد على أهمية إدخال نظام الأتمتة في برنامج العيادات، والتخلص من المعاملات الورقية، لتسريع وتيرة العمل وإنجازه في أقصر وقت ممكن.

خيار آمن

أكد أن مريض السرطان يلجأ إلى المشافي العامة خلال رحلة العلاج، لكونها تشكل ملاذاً آمناً له، ولا سيما من الناحية المادية، إذ تبلغ كلفة تسريب الجرعة في المشافي الخاصة ما بين 500 – 600 ألف ليرة سورية، وأضاف أن الأدوية التي تستوردها وزارة الصحة تخضع لمعايير صحيحة من حيث التخزين والنقل، في حين أن معظم أدوية القطاع الخاص تكون مهربة.

مهام الجمعية

من جانبه، ذكر الدكتور زاهي الشواف، رئيس الجمعية السورية لمكافحة السرطان بحمص، لـ “العروبة”، أن الجمعية تقدم خدماتها لمدينة حمص وريفها، إلا أن نقص السيولة المادية اضطرها إلى تخفيض عدد المستفيدين، وحصر الدعم بالدرجة الأولى للأطفال والشباب واليافعين، وبالدرجة الثانية للبالغين.

وأوضح أن عدد المرضى المراجعين للجمعية بلغ نحو 1560 مريضاً خلال السنوات الخمس الماضية، ولا يزالون يتلقون العلاج حتى الآن، أما على صعيد الدعم النفسي، فتقدم الجمعية جلسات خاصة للمرضى البالغين، وأخرى مخصصة لأهالي الأطفال، بمشاركة أخصائيي الصحة النفسية، إضافة إلى تقديم مساعدات مادية وعينية، وتنظيم جلسات توعوية شهرية وفق برنامج مُعد من قبل منظمة الصحة العالمية.

ونوّه الدكتور الشواف إلى وجود لقاح خاص للوقاية من سرطان عنق الرحم، إلا أنه غير متوفر في سوريا، متمنياً أن تعمل وزارة الصحة والجهات المعنية على تأمينه في المستقبل القريب لما له من دور كبير في الوقاية وإنقاذ الأرواح.

إعادة تأهيل المجمع

ولفت الشواف إلى أن مجمع السرطان التابع للجمعية، والذي أُفتتح عام 2010، تعرّض للنهب والسرقة في عهد النظام البائد، وتعمل الجمعية حالياً على إعادة ترميمه وتجهيزه بدعم من مؤسسة “إشراقة شمس”، على أن يتم الانتهاء منه نهاية العام الحالي.

ويتألف المجمع من أربعة طوابق، ويضم مخابر نوعية للتحاليل، وقسم أشعة مجهزاً بكافة وسائل التشخيص الشعاعي، بما فيها جهاز Gama Camera المستخدم لمسح العظام للكشف عن وجود أورام، إضافة إلى أقسام النسائية والعمليات والعيادات والعناية المشددة، وكافة الاختصاصات الطبية المتعلقة بالأورام، وقسم خاص بالأطفال، وأشار إلى أن التبرعات المقدمة للجمعية تقتصر على مدينة حمص، وهي قليلة نسبياً، ولا تكفي لسد احتياجات جميع المرضى.

مركز الطب النووي

بدوره، أوضح المهندس خالد صطوف، رئيس القسم الهندسي في مديرية صحة حمص، أن مركز الطب النووي يُعد جزءاً من مشروع مشفى حمص الكبير، وأن المبنى قائم حالياً على الهيكل، وتنفذ الشركة العامة للبناء – فرع المنطقة الوسطى – أعمال العقد المتضمنة إكساء الواجهات الخارجية والأعمال التأسيسية للمنظومة الصحية.

وبيّن أن استكمال المشروع يتطلب تنفيذ أعمال الإكساء الداخلي والخارجي بشكل كامل، إلى جانب المنظومات الكهربائية والميكانيكية، وأشار إلى أن وزارة الصحة تسعى لتأمين التمويل اللازم لاستكمال تجهيز المبنى ورفده بالتجهيزات الطبية، ومنها جهاز المسرع الخطي، الذي يوفر دقة عالية في التشخيص والمعالجة لمرضى السرطان، وذلك بعد الانتهاء من أعمال الإكساء والتجهيز الكامل.

دعوة ملحة

بات من الضروري إحداث مركز متخصص بالأورام في محافظة حمص، وتوفير منظومة متكاملة لرعاية مريض السرطان، بما يجنبه عناء السفر وتكاليفه، إضافة إلى الأعباء المادية والنفسية، كما تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق المساعدات والمساهمات من أصحاب الأيادي البيضاء، إذ يشكل الدعم المادي شريكاً أساسياً للدعم النفسي في إنقاذ حياة المرضى، وزرع الأمل والابتسامة على وجوه أطفال مرضى السرطان، والوصول إلى طريق الشفاء والتعافي.

العروبة – رهف قمشري

المزيد...
آخر الأخبار