كشف مدير مديرية تخطيط وإحصاء حمص، الدكتور محسن اسمندر، عن نتائج مسح الأمن الغذائي الأسري الذي نفذته هيئة التخطيط والإحصاء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، في الربع الأخير من عام 2025، مشيرًا إلى أن الوضع الغذائي في المحافظة مستقر نسبياً، لكنه يتّسم بالهشاشة، حيث تتمكن غالبية الأسر من تأمين احتياجاتها الأساسية، إلا أن قدرتها على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية ما تزال محدودة.
وأشار إلى أن نتائج المسح، التي نُشرت رسميًا خلال الشهر الأول من عام 2026، أظهرت أن 78.1% من الأسر مستقرة في أماكن إقامتها المعتادة، في حين أن 8.4% نازحة عائدة من داخل القطر، و8.6% عائدة من خارج القطر، و4.9% نازحة إلى المحافظة.
مؤشرات هامة لصانعي القرار وشركاء التعاون الدولي
بيّنت نتائج مؤشر “كاري” للأمن الغذائي أن 19.2% فقط من الأسر في محافظة حمص تُعدّ آمنة غذائيًا، بينما 54.1% آمنة غذائيًا بشكل هش، فيما تعاني 25.8% من الأسر من انعدام أمن غذائي متوسط، وسُجلت نسبة انعدام الأمن الغذائي الشديد بـ 0.9% فقط.
ما يعني أن قرابة ربع الأسر في المحافظة معرضة للتدهور الغذائي في حال استمرار الضغوط الاقتصادية أو حدوث ارتفاع جديد في الأسعار.
استراتيجيات تأقلم سلبية
فيما يتعلق باستراتيجيات التأقلم، أوضح اسمندر أن 50% من الأسر تلجأ إلى حرمان نفسها من الغذاء كوسيلة تأقلم سلبي، بينما تعتمد 41.7% على استراتيجيات أزمات مثل الاستدانة وبيع الأصول، في حين تتبنى 8.4% استراتيجيات طارئة.
وفيما يخص جودة الغذاء والتنوع، أشار المسح إلى أن 75.7% من الأسر تمتلك استهلاكًا غذائيًا مقبولًا، و92.7% لا تعاني من الجوع أو تعاني جوعًا بسيطًا، لكن في المقابل، بيّن المسح وجود نقص واضح في جودة النظام الغذائي، حيث أن 44% من الأسر لا تستهلك مصادر الحديد، وهو مؤشر على انتشار سوء التغذية.
العائدون من النزوح الأكثر تضررًا
أكد المسح أن العوامل المؤثرة في الأمن الغذائي تتصل بحجم الأسرة، حيث أن الأسر الكبيرة أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب الدخل واستقرار العمل، حيث تتضرر بشكل خاص الأسر ذات الدخل المنخفض أو العاملة بأعمال موسمية أو متقطعة.
وأشار اسمندر إلى أن المستوى التعليمي لرب الأسرة يسهم في تحسين قابلية التوظيف، وأن الخصائص الصحية للأسر تلعب دورًا كبيرًا، خاصة الأسر التي تضم مرضى مزمنين أو ذوي احتياجات خاصة.
ووفق النتائج، فإن الأسر العائدة من النزوح سجلت أسوأ المؤشرات، حيث 14.2% فقط آمنة غذائيًا، و47.5% آمنة بشكل هش، و35.5% تعاني من انعدام أمن غذائي متوسط، و2.8% من انعدام شديد، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى توجيه جزء كبير من الدخل لترميم المنازل والخدمات الأساسية، على حساب الغذاء.
أزمة مياه تضغط على الأمن الغذائي
فيما يخص توفر مياه الشرب، بين المسح أن 81% من الأسر تتصل بشبكة المياه العامة، بينما 13% تستخدم آبارًا خاصة، و3.8% يشترون المياه من الصهاريج، و1.3% فقط تعتمد على المياه المعبأة.
وقد أثّر الجفاف وسوء الإمداد المائي بشكل كبير على الأسر في عام 2025، ما جعل الإنفاق على المياه عاملاً ضاغطًا على الأمن الغذائي.
هشاشة اقتصادية لا أزمة جوع
خلص المسح إلى أن محافظة حمص لا تعاني من جوع حاد، بل من هشاشة اقتصادية ومعيشية، تتطلب تدخلات تركّز على دعم سبل العيش، وتحسين الدخل، وتوفير فرص العمل، أكثر من الاعتماد على المساعدات الغذائية المباشرة، وأكد الدكتور اسمندر أن التحدي الأساسي يتمثل في القدرة الاقتصادية المحدودة للأسر، وليس في توفر الغذاء بحد ذاته.
الإنفاق الاستثماري الحكومي في المحافظة
في سياق متصل، أشار اسمندر إلى أن المديرية تابعت خلال عام 2025 مهامها في إعداد ومتابعة الموازنة الاستثمارية، حيث تم تقديم المشورة للجهات العامة في إعداد موازنة عام 2025 التي لم تُقر بعد، وكذلك موازنة 2026 التي لم تُقر حتى الآن.
وأوضح أنه وفق بلاغات وزارة المالية، أنفقت الجهات العامة موازناتها وفق الآلية الاثني عشرية، وبلغ مجموع إنفاق الإدارة المحلية ومجلس مدينة حمص حوالي 33 مليار ليرة سورية بنهاية عام 2025، وذلك لاستكمال تنفيذ المشاريع القائمة.
خطة تنمية محلية… الأولى من نوعها في سوريا
وكشف اسمندر أن مديرية التخطيط والإحصاء بدأت، منذ تشرين الثاني 2025، بتنفيذ الأنشطة الخاصة بإعداد خطة التنمية المحلية لمحافظة حمص، والتي تُعد الأولى من نوعها على مستوى سوريا.
وأشار إلى إصدار قراري تشكيل لجنتين: اللجنة الإشرافية برئاسة المحافظ وعضوية المكتب التنفيذي وأمين عام المحافظة وممثل عن الشؤون السياسية ومدير التخطيط، وفريق العمل الفني برئاسة أمين عام المحافظة وعضوية معظم مديري الدوائر الرسمية وممثلين عن النقابات والقطاع الأهلي وجامعة حمص.
تتولى هذه الفرق إعداد تقرير الحالة التنموية، وتحليل البيانات، واقتراح الرؤية والأهداف العامة وسياسات التنمية والمشاريع المطلوبة.
وبيّن اسمندر أن فريق عمل المديرية شارك في ورشة تدريبية نظمتها وزارة الإدارة المحلية خلال 2-4 كانون الأول 2025، تم خلالها استعراض منهجية إعداد الخطة، كما أنجزت المديرية قاعدة مؤشرات الخطة في الشهر الأول من عام 2026.
وأشار إلى أنه تم البدء بتحليل المؤشرات للتوصل إلى تحليل دقيق للحالة الراهنة لمحافظة حمص للفترة 2010–2024، من خلال تحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات في كل قطاع، وختم تصريحه بالتأكيد على أن إعداد الخطة سيستكمل تدريجيًا خلال عام 2026 وفق البرنامج الزمني الموضوع، لتكون مرجعية تنموية مبنية على الأدلة والمؤشرات الميدانية.
العروبة – يحيى مدلج
