تشهد أسواق مدينة حمص في الآونة الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والخضروات وكافة السلع الأساسية، ما زاد من صعوبة تأمين متطلبات الحياة اليومية للمواطنين. ولم يقتصر الغلاء المتسارع على صنفٍ معين، بل طال مختلف جوانب المعيشة، وسط شكاوى متزايدة من ضعف القدرة الشرائية وعدم تناسب الدخل مع الواقع الاقتصادي الحالي.
وفي جولة ميدانية أجرتها “العروبة” لرصد آراء المواطنين، عبّر العديد منهم عن معاناتهم اليومية نتيجة ارتفاع الأسعار وتأثيرها المباشر على استقرار الأسر ومستوى المعيشة، مطالبين باتخاذ إجراءات فعّالة لضبط الأسواق والحد من جشع بعض التجار.
وقالت السيدة ثراء خير الله: «إن ميزانية أي أسرة لا تتحمل هذا الارتفاع، ونحن عاجزون عن مواكبة الغلاء الذي أصبح يفوق قدرتنا على التحمل».
فيما أشار السيد عماد رستم إلى أن: «هذا الارتفاع يسرق منا أي شعور بالتفاؤل بزيادة الرواتب، ولا أعتقد أن المواطن سيتمكن من الراحة ما دامت الأسعار في تصاعد مستمر».
وأكد المواطن عدنان، وهو عامل: «أحياناً لا نستطيع الخروج للعمل حسب طلب صاحب العمل، ودخلنا غير ثابت. الوضع المعيشي صعب للغاية، ونأمل من الجهات المعنية التدخل لرعاية المواطنين».
وسجلت الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث بلغ سعر كيلو السكر 8500 ليرة، وزيت دوار الشمس 26 ألف ليرة، وكيلو الأرز 12 ألف ليرة، والبرغل 8500 ليرة، والعدس 13500 ليرة.
أما أسعار الخضار والفواكه، فقد تراوحت بحسب الحي وجودة البضاعة على النحو الآتي: البندورة 14 ألف ليرة، الخيار 12 ألف ليرة، البطاطا 5500 ليرة، الكوسا 10 آلاف ليرة، البازلاء 12500 ليرة، الموز 14 ألف ليرة، البرتقال 10 آلاف ليرة، التفاح بين 16500 و18000 ليرة، والليمون 20 ألف ليرة.
كما شمل الغلاء أسعار المنظفات، حيث أوضح معظم الباعة أن الأسعار تتغير أحياناً نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل.
وأكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حمص، وائل برغل، أن الارتفاع الأخير في الأسعار «يُعد استثنائياً بلا شك»، ويعود بالدرجة الأولى إلى التأثر المباشر بالوضع الإقليمي المعقد، الذي انعكس على سلاسل التوريد العالمية والمحلية، وأجور الشحن، وتكاليف التأمين، ما أدى إلى انعكاسات سعرية طالت الأسواق المحلية.
وأشار إلى أن التأثير الأكبر طال السلع والمواد الأساسية المستوردة المرتبطة مباشرة بأجور الشحن الخارجي، إضافة إلى المواد التي تعتمد في إنتاجها ونقلها بشكل كثيف على حوامل الطاقة، وهي الأكثر حساسية وسرعة في التأثر بالتوترات الإقليمية.
وحول تأثير سعر الصرف، أوضح برغل: «نعمل على تحييد أثره عن أي استغلال عشوائي من خلال تتبع التكاليف الفعلية والموثقة، لضمان عدم رفع الأسعار بشكل وهمي».
وأضاف أن تكاليف النقل وحوامل الطاقة تُعد جزءاً أساسياً من تكلفة السلع، لكنها لا تبرر تحقيق هوامش ربح غير منطقية.
وفيما يتعلق بنسبة ارتفاع الأسعار مقارنة بالفترة السابقة، بيّن أن النسب متباينة وتختلف من مادة إلى أخرى بحسب تأثر مدخلات إنتاجها بالمتغيرات الحالية، مؤكداً مجدداً أن سعر الصرف يُعد مؤشراً مؤثراً في تحديد تكلفة السلع، مع استمرار الجهود لضبط الأسواق ومنع استغلال تقلباته كذريعة لرفع الأسعار بشكل غير مبرر.
ونوّه إلى أن تكاليف النقل وحوامل الطاقة تشكّل جزءاً لا يُستهان به من تكلفة المادة النهائية، خاصة في ظل تأثر قطاع الطاقة إقليمياً وعالمياً، موضحاً أن هذا الارتفاع يبرر تعديلاً يتناسب مع الزيادة الفعلية في التكلفة فقط، ولا يبرر أي زيادات عشوائية أو مضاعفة في الأسعار.
وأكد أن الإجراءات الرقابية حازمة، حيث تنظم دوريات حماية المستهلك ضبوطاً بحق المخالفين، وقد تصل هذه الإجراءات إلى الإغلاق والتشميع المباشر دون إحالة المخالفين إلى القضاء، بهدف ضبط الأسواق لا جباية الأموال.
وفيما يتعلق بالإجراءات العاجلة للحد من الغلاء، أوضح أنهم يعملون على مسارات متوازية تشمل تكثيف الرقابة الميدانية والتدقيق الصارم على الفواتير، وضمان تداولها بشكل نظامي.
وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية والتوترات الإقليمية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، نظراً لتأثيرها المباشر على التكاليف وشبكات التوريد، إلا أن التاجر يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة في حال استغلال هذه الظروف لتحقيق أرباح فاحشة.
وبيّن أنه لا توجد تسعيرة رسمية للسلع، لكن التركيز على تداول الفواتير يتيح مراقبة هوامش الربح الفعلية ومدى مطابقتها للأسعار الرائجة، بما يسهم في ضبط أي انفلات.
وأضاف أن المنافسة تُعد الضامن الأهم لاستقرار الأسعار في الظروف الطبيعية، إلا أنها في ظل الظروف الاستثنائية الحالية غير كافية، ما يستدعي دوراً رقابياً فعالاً لحماية المستهلك.
وأكد أن عناصر حماية المستهلك يبذلون جهوداً مضاعفة لتغطية الأسواق، حيث بلغ عدد الضبوط منذ بداية شهر آذار حتى تاريخه 1423 ضبطاً، وعدد الإغلاقات بسبب مخالفات جسيمة 60 حالة، وعدد العينات المسحوبة 172 عينة، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو تحقيق أثر رادع لتصحيح سلوكيات السوق.
كما شدد على أن المواطنين يمكنهم تقديم شكاواهم فوراً عبر الرقم 119 من أي هاتف أرضي، أو من خلال تقنية الماسح الضوئي (QR) المنتشرة في المحال التجارية، مؤكداً أن المواطن شريك أساسي في الرقابة وضبط الأسعار.
ويبقى المواطن في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتأثيره على مختلف مناحي الحياة، الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، ما يتطلب تدخلاً فعّالاً من الجهات المعنية لضبط الأسواق ومراقبة الأسعار وتأمين المواد الأساسية بأسعار مقبولة.
العروبة – هيا العلي