قفزة قياسية في أسعار اللحوم تُخرجها من موائد السوريين

تشهد أسواق مدينة حمص خلال الفترة الأخيرة موجة ارتفاع غير مسبوقة في أسعار اللحوم الحمراء، في مشهد يعكس تحولات اقتصادية عميقة، أكثر من كونه تغيراً عابراً في الأسعار. هذه المادة التي شكّلت لسنوات جزءاً أساسياً من موائد السوريين، باتت اليوم بعيدة عن متناول شريحة واسعة منهم، لتتحول تدريجياً إلى سلعة كمالية تُستهلك في مناسبات محدودة.

أسعار قياسية تثقل كاهل المواطنين
في جولة ميدانية لـ”العروبة” على أسواق المدينة وأحيائها، أجمع مواطنون على أن الأسعار بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث أوضح إبراهيم الأسعد أن سعر كيلوغرام لحم الغنم (الهبرة) وصل إلى 210 آلاف ليرة، والمسوفة إلى 120 ألف ليرة، واللية إلى 80 ألف ليرة، فيما بلغ سعر الفخذ بعظمه 170 ألف ليرة، والباط بعظمه 145 ألف ليرة.

كما ارتفع سعر لحم العجل (الهبرة) إلى نحو 170 ألف ليرة، والمسوفة إلى 95 ألف ليرة، مع تفاوت بين منطقة وأخرى، وأشار إلى أن هذا الارتفاع الحاد دفع كثيراً من الأسر إلى الاستغناء شبه الكامل عن شراء اللحوم، أو الاكتفاء بكميات رمزية لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية.

تراجع تربية المواشي وانخفاض العرض
كشف خليل السعفان، وهو مربٍ وتاجر مواشٍ، عن تراجع واضح في قطاع تربية المواشي نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، من أعلاف وأدوية بيطرية، وصولاً إلى المحروقات والنقل.

وأوضح أن هذه التكاليف دفعت العديد من المربين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق، ما أدى إلى انخفاض أعداد الثروة الحيوانية وتراجع العرض، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسعار.

وأضاف أن تحرير التجارة ساهم في فتح باب تصدير المواشي، ما زاد من استنزاف السوق المحلية لصالح أسواق خارجية أكثر ربحية، وعمّق أزمة نقص اللحوم.

تكاليف متراكمة تضغط على السوق
من جهته، أوضح محي الدين العزو، صاحب محل قصابة، أن ارتفاع الأسعار ليس قراراً فردياً من القصّابين، بل نتيجة مباشرة لسلسلة من التكاليف المتراكمة، بدءاً من ارتفاع سعر شراء الذبائح، وصولاً إلى تكاليف النقل والذبح وأجور العمال.
وبيّن أن استمرار هذا الارتفاع يرتبط بعوامل عدة، أبرزها تذبذب سعر صرف الليرة، وخروج عدد كبير من المربين من السوق، ما يقلل الكميات المطروحة يومياً.

نتائج عكسية لآليات السوق
بدوره، أشار عبد الرزاق الحمد، وهو قصاب، إلى أن غياب التسعير المركزي وتراجع التدخل الحكومي جعلا الأسعار تُحدد وفق العرض والطلب، وهو ما كان يفترض أن يعزز المنافسة ويحقق التوازن.

إلا أن هذا التحول جاء في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة وقاعدة إنتاج ضعيفة، ما أدى إلى نتائج عكسية، حيث بات كل تاجر يحدد سعره وفق تقديراته الخاصة للتكاليف، ما خلق حالة من التفاوت والفوضى السعرية.

رقابة مستمرة لضبط السوق
في المقابل، أكد عواد قطيش، رئيس دائرة حماية المستهلك وسلامة الغذاء في مديرية التجارة الداخلية، أن المديرية تكثف جهودها لضبط سوق اللحوم من خلال دوريات رقابية مستمرة، وتنظيم الضبوط العدلية بحق المخالفين.

وأوضح أن السوق يُدار حالياً وفق مبدأ المنافسة الحرة دون تسعير رسمي، مع إلزام أصحاب المحال بالإعلان الواضح عن الأسعار والالتزام بالشروط الصحية، إضافة إلى فرم اللحوم حسب الطلب.

وأشار إلى تنظيم 215 ضبطاً تموينياً منذ بداية العام، شملت مخالفات تتعلق ببيع لحوم فاسدة، وخلط الأنواع، والفرم المسبق، وعدم الالتزام بالشروط الصحية، وأكد أن المديرية تتعامل بجدية مع شكاوى المواطنين، عبر قنوات مخصصة، لضمان حماية حقوق المستهلكين وضبط الأسواق.

اتساع الفجوة الغذائية والاجتماعية
انعكس ارتفاع أسعار اللحوم بشكل واضح على حياة المواطنين، حيث تغيّر النمط الغذائي واتجهت الأسر إلى بدائل أقل تكلفة كالفروج والبقوليات، رغم محدودية قيمتها الغذائية مقارنة باللحوم الحمراء.
ومع استمرار هذا الواقع، تتسع الفجوة بين الدخل والأسعار، ليصبح استهلاك اللحوم مقتصراً على فئات محدودة، في مؤشر واضح على اختلال التوازن الاقتصادي والاجتماعي.

العروبة – بشرى عنقة

المزيد...
آخر الأخبار