تحافظ محافظة حمص على تقليد شعبي عريق يُعرف بـ”خميس الحلاوة” أو “خميس الأموات”، الذي يُحتفل به في شهر نيسان من كل عام، في الخميس الثاني أو الثالث، ويُعد من أبرز خميسات حمص السبعة المرتبطة بفصل الربيع، ويعود تاريخه إلى العهد المملوكي.
موروث شعبي عريق
أوضح المهندس رامي دويري، عضو الجمعية التاريخية في حمص، لـ”العروبة”، أن المدينة اشتهرت بأعياد ومواسم ربيعية متنوعة، رافقتها طقوس ومراسم شعبية تعود إلى قرون طويلة، لافتاً إلى أنه رغم تراجع هذه المواكب الاحتفالية في الوقت الحاضر، لم يبقَ منها سوى ذكريات راسخة في أذهان كبار السن، فيما استمر بعضها ضمن مراسم بسيطة تعكس تمسك الأهالي بتراثهم وعاداتهم حفاظاً على هويتهم الثقافية.
طقوس الوفاء للأموات
وأشار دويري إلى أن أهالي حمص ما زالوا يحيون هذه المناسبة حتى اليوم، ولا سيما خميس الحلاوة الذي تبلغ طقوسه ذروتها في المقابر، حيث يتم توزيع الحلاوة وتلاوة القرآن الكريم على أرواح الموتى، قبل استكمال مراسم العيد داخل المنازل.
الحلاوة الخبزية وسوق البهجة
وبيّن أن هذا الخميس يتميز بالحلاوة الخبزية بلونيها الأحمر والأبيض، والتي تأخذ شكلاً هرمياً مخروطيّاً، إذ يتنافس الباعة على تقديم أطول برج منها، إلى جانب أنواع أخرى من الحلويات مثل السمسمية والبشمينة وبلاط جهنم والراحة الملونة والجوزية والطحينية.
وأضاف أن الباعة يعرضون منتجاتهم أمام المحال والبسطات المنتشرة في الشوارع والساحات، ويزينونها بعرائش ملونة، فيما تتعالى أصواتهم بعبارات تقليدية مثل: “الله يرحم الأموات… كانوا يحبوا الحلاوات”، و”يا ستي قولي لجدي بدي حلاوة مُجيقا”.
الأطفال والمقابر وبهجة المناسبة
وتابع دويري أن الأهالي يقصدون الأسواق لشراء الحلاوة، ثم يتوجه الأطفال والنساء بها إلى المقابر ضمن مجموعات، حيث يحملون نبات الآس لوضعه على القبور، ويقرؤون القرآن على أرواح الموتى، ويوزعون الحلاوة والنقود.
وأوضح أن الأطفال يجوبون المقابر حتى المساء حاملين أكياسهم أو حقائبهم القماشية، لينتقلوا من قبر إلى آخر، ويعودوا بمقادير من الحلاوة وبعض النقود.
خميس الحلاوة في الشعر الشعبي
وأشار دويري إلى ما أورده الشيخ الوفائي عن هذه المناسبة بقوله:
ومن بعده يأتينا يومٌ تلوحُ بهِ
حلاوةٌ أكلُها عند النساءِ وجبا
أهلُ القرى ينقلون عن جدهم خبراً
من لم يذق طعمها في عامهِ جَرِبا
وأوضح أن خميس الحلاوة يأتي بعد خميس النبات، وأن تناول الحلاوة في هذا اليوم يُعد تقليداً راسخاً، فيما تناقل أهل الريف معتقدات شعبية تفيد بأن من لا يأكل منها قد يُصاب بمرض الجرب.
خميسات حمص السبعة
ونوّه إلى وجود سبعة خميسات ربيعية في حمص، هي: خميس التايه، والشعنونة، والمجنونة، والقطاط، وخميس النبات (القلعة)، وخميس الحلاوة (الأموات)، وخميس المشايخ، حيث تشكل هذه المناسبات جزءاً من الذاكرة الشعبية للمدينة.
تراث حي وانتعاش اقتصادي
وختم دويري بالتأكيد على استمرار هذه الطقوس جيلاً بعد جيل، مع حفاظ الأهالي على تقاليدهم في إحياء ذكرى موتاهم، إلى جانب تمسك صانعي الحلاوة بهذه المهنة، ما يجعل من خميس الحلاوة مناسبة تجمع بين إحياء التراث وتعزيز التكافل الاجتماعي، فضلاً عن دوره في تنشيط الحركة الاقتصادية والحرفية، ليبقى رمزاً للفرح والأمل.
العروبة – رهف قمشري