تطور التعليم في حمص من الكتاتيب إلى المدارس الحديثة عبر العصور

شهدت مدينة حمص عبر تاريخها الطويل تطوراً متدرجاً في بنية التعليم، بدءاً من الكتاتيب والمدارس الدينية، وصولاً إلى المؤسسات التعليمية الحديثة، مستفيدة من موقعها بوصفها حلقة وصل بين الحضارات والثقافات، وما أفرزه ذلك من بيئة معرفية أسهمت في ترسيخ التنوع الفكري.

وبيّن المهندس عبد الهادي النجار، عضو الجمعية التاريخية ومؤسسة تراثنا، لـ”العروبة”، أن التعليم ازدهر في حمص خلال العهود الإسلامية الأولى، حيث اشتهرت فيها مدرسة الحديث، وشارك عدد من أبنائها في العصر العباسي في نقل المعارف اليونانية إلى العربية، فيما لم تنل المدينة خلال حكم المماليك نصيباً مماثلاً من المدارس مقارنة بمدن دمشق وحلب وحماة والقدس وغزة.

وأشار إلى أن السلطان نور الدين محمود أمر بإنشاء مدرسة في حمص للإمام شرف الدين بن أبي عصرون، عُرفت باسم العصرونية، وذلك سنة 580 هجري/1184 ميلادي، ثم أُنشئت بعدها المدرسة الشهيدية النورية، إلى جانب انتشار الكتاتيب التي خُصصت لتعليم القرآن الكريم والخط والحساب، ولا سيما لأيتام المسلمين، مع توفير الكتب والقوت والكسوة لهم مجاناً.

ولفت إلى وجود مدارس أخرى في حمص، منها المدرسة المجاهدية التي أنشأها المجاهد شيركوه بن محمد، والمدرسة البرطاسية خارج باب دمشق “باب هود”، ونُسبت إلى الأمير عيسى بن عمر البرطاسي، وكانت مخصصة لتدريس أحكام الدين وفق المذهب الشافعي، شأنها شأن المدرسة البرطاسية القائمة في طرابلس الشام.

وأضاف أن من المدارس أيضاً المدرسة الأرغونية، نسبة إلى مؤسسها أرغون الصغير الكاملي، والمدرسة البكتمرية التي بناها بكتمر بن عبد الحر الأشرف سنة 719 هجري/1319 ميلادي.

وتابع النجار: “في القرن السادس عشر، كانت المدارس الدينية في حمص تتمثل في المدرسة النورية والكوجكية والحسامية والعصرونية”.

وأشار إلى أن الإدارة العثمانية حافظت على نظام التعليم القائم الذي ورثته عن عصر المماليك، إلا أنه لم يكن مواكباً للتطورات التي بدأت تشهدها أوروبا مع بروز عصر النهضة.

وأوضح أن المبادئ الكبرى للتربية الحديثة تعود إلى القرن السابع عشر، وتطورت في القرن الثامن عشر، ثم شهد القرن التاسع عشر تحولات كبرى في عالم التربية.

وأضاف أن منتصف القرن الثامن عشر شكّل موعد التواصل الأول بين التعليم الحديث الناشئ في أوروبا والتعليم التقليدي في بلاد الشام، أما التواصل الثاني مع نظام التعليم الحديث فكان خلال الحكم المصري عام 1840 ميلادي، بفضل المدارس الابتدائية التي أنشأها إبراهيم باشا في سوريا، وتطبيقه برنامجاً واسعاً للتعليم الابتدائي على النمط المعتمد في مصر.

وبيّن أن التعليم الأهلي القديم كان يعتمد على الكتاتيب إلى جانب حلقات دور العبادة، إذ كانت هذه المؤسسات تضطلع بأعباء التعليم والتثقيف في مدينة حمص حتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن يبدأ دور الكتاتيب بالتراجع تدريجياً لصالح مدارس التعليم الحديث، إلى أن اندثرت تماماً في ثمانينيات القرن العشرين نتيجة إلزامية التعليم الابتدائي.

وأوضح النجار أن المدارس في الدولة العثمانية نُظمت بموجب نظام المعارف الصادر سنة 1869، وبموجبه قُسمت الدراسة إلى خمس مراحل، هي المدارس الابتدائية التي تقابل مدارس الحلقة الأولى حالياً، والمدارس الرشدية التي تقابل مدارس الحلقة الثانية، والمدارس الإعدادية التي تقابل المدارس الثانوية، والمدارس السلطانية التي يُقبل فيها الطلاب الناجحون في امتحان المرحلة الإعدادية، والمدارس العالية التي تقابل المعاهد العليا والماجستير.

وذكر النجار أنه حتى نهاية القرن التاسع عشر بقيت المدارس مرتبطة بالجهات التابعة لها، ولا سيما دور العبادة، ومع تزايد أعداد الطلاب أصبح من الضروري تخصيص أبنية مستقلة للمدارس.

وأوضح أنه تأسست المدرسة العلمية سنة 1906، ومدرسة الاتحاد الوطني سنة 1908، ثم توحدت المدرستان سنة 1915 بإدارة عبد الحميد الحراكي، قبل أن يهبها مؤسسوها سنة 1918 للدولة، التي حولتها إلى مدرسة رسمية باسم المدرسة الحسينية السلطانية، ثم سُميت لاحقاً خلال فترة الانتداب الفرنسي باسم التجهيز.

ولفت إلى أنه في سنة 1909 بُنيت في حمص مدرستان، هما الكلية الأرثوذكسية والكلية الإنجيلية، إضافة إلى مدرسة باسم نجاح الدارين.

وأشار إلى أن أول بناء مستقل للمدارس الابتدائية الرسمية كان مدرسة باب السباع التي سُميت لاحقاً مدرسة الخيرية، ثم أُحدثت مدرسة منبع العرفان، والمدرسة العثمانية التي سُميت بعد الاستقلال الهاشمية، ومدرسة الرشادية التي تغيّر اسمها لاحقاً إلى مدرسة الإرشاد، ثم أُحدثت مدرسة للبنات باسم مدرسة البنات الأولى.

وفي سياق تطور تعليم البنات، أوضح أنه في سنة 1935 أُحدثت مدرستان للبنات باسم مدرسة البنات الثانية ومدرسة البنات الثالثة، ثم عُدلت أسماؤهما لتصبحا المدرسة المروانية والمدرسة القرشية، فيما أصبحت الثالثة باسم العمرية.
وفي عام 1936 أُحدثت مدرسة الفتاة للبنات، وفي عام 1938 تأسست مدرسة الخنساء للبنات.

ولفت إلى أن التوسع الملموس في بناء المدارس بدأ بعد عام 1937، حيث افتُتحت مدارس حطين والجلاء والاتحاد الوطني للذكور، ومدارس النصر والاستقلال ورابعة العدوية وخديجة الكبرى للبنات.

وأضاف أن من المحطات المهمة في تطور المدارس في حمص إضافة صف للحضانة في مدرستي العمرية والقرشية سنة 1936.

ونوه إلى أن فترة الانتداب الفرنسي شكّلت عقبة أمام تطور التعليم الثانوي، إلا أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت تسارعاً واضحاً في بناء المدارس.

ووفقاً لإحصاء العام الدراسي 1951/1952، بلغ عدد المدارس الابتدائية الرسمية 17 مدرسة للذكور و17 مدرسة للإناث، بما فيها حضانتان ومدرسة مختلطة، فيما بلغ عدد المدارس الابتدائية الخاصة 7 مدارس للذكور و9 مدارس للإناث.

وأضاف أنه في سنة 1951 تأسست متوسطة المعهد العربي الإسلامي، وفي سنة 1954 تأسست متوسطة عمر بن الخطاب الخاصة، أما أولى المدارس المهنية فكانت متوسطة الصنائع الرسمية التي تأسست عام 1956.

وختم النجار بالتأكيد على أن أهمية المدارس قديماً تمحورت حول الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية، مشيراً إلى أن تطور بناء المدارس في حمص عكس التزام المجتمع المحلي بالعلم بوصفه ركيزة أساسية للنهوض الاجتماعي والثقافي والاقتصادي

العروبة – رهف قمشري

المزيد...
آخر الأخبار