عمالة الأطفال في حمص.. ظروف معيشية قاسية تدفع الصغار إلى سوق العمل

لم يكن الطفل أسامة، البالغ من العمر 12 عاماً، منشغلاً بالإجابة عن الأسئلة عندما التقته «العروبة» في أحد المحال التجارية بمدينة حمص، إذ كان منهمكاً في تحضير الأركيلة لزبائن المحل. مشهد يلخص واقعاً بات يتكرر في الأسواق والأحياء، حيث يجد كثير من الأطفال أنفسهم في سن مبكرة داخل بيئات عمل تفوق قدراتهم الجسدية وتحرمهم جزءاً من طفولتهم.

ولا يُعد أسامة حالة استثنائية، فخلال جولة في عدد من المحال التجارية بمدينة حمص، رصدت «العروبة» وجود أطفال يعملون في مهن مختلفة، بعضهم خلال العطلة الصيفية، فيما اضطر آخرون إلى الانخراط بشكل دائم في سوق العمل لمساعدة أسرهم على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.

ويرى الطفل محمد أ.، البالغ من العمر 14 عاماً، أنه مضطر للعمل في محل تجاري يملكه أحد أقاربه لتأمين مصروفه الشخصي والمساهمة في إعالة أسرته، رغم إدراكه أن العمل لا يتناسب مع عمره ويؤثر في راحته وقدرته على متابعة دراسته بالشكل المطلوب.

كما التقت «العروبة» عدداً من الأطفال الذين دخلوا سوق العمل بعد انقطاعهم عن الدراسة خلال سنوات الحرب التي شنها النظام البائد، وما رافقها من نزوح وتهجير وظروف معيشية صعبة دفعت كثيراً من الأسر إلى البحث عن أي مصدر دخل إضافي.

وتؤكد أم أيهم أن ولديها، البالغين من العمر 15 و16 عاماً، يعملان في مهنة البناء إلى جانب أحد الجيران، مشيرة إلى أنها تدرك صعوبة العمل وما يتطلبه من جهد بدني كبير، إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعتها إلى السماح لهما بالعمل للمساهمة في تأمين احتياجات الأسرة.

ولا تقتصر آثار عمالة الأطفال على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى آثار اجتماعية وتربوية ونفسية متعددة. فبحسب عدد من أولياء الأمور، قد يتعرض الأطفال في بعض بيئات العمل لاكتساب عادات وسلوكيات غير مناسبة لأعمارهم، كما أن بعضهم يفضل ترك الدراسة نهائياً بعد حصوله على دخل مالي، معتقداً أن تعلم مهنة يوفر له مستقبلاً أسرع من متابعة التعليم.

وحول الإجراءات المتخذة للحد من هذه الظاهرة، أوضح مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في حمص إياد جعفر، في تصريح لـ”العروبة”،أن عمالة الأطفال تعد من القضايا الاجتماعية التي تتطلب تضافر جهود مختلف الجهات المعنية لمعالجة أسبابها والحد من آثارها، نظراً لما تتركه من انعكاسات سلبية على النمو الجسدي والنفسي والتعليمي للأطفال، وما تسببه من آثار بعيدة المدى على مستقبلهم ومستقبل المجتمع.

وأكد جعفر أن المديرية تتابع بشكل مستمر الحالات التي يتم رصدها وفق أحكام قوانين العمل النافذة، من خلال الجولات التفتيشية والتنسيق مع الجهات المختصة والجمعيات والمنظمات الدولية، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفات التي يتم ضبطها.

وتبقى عمالة الأطفال واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية المرتبطة بالظروف الاقتصادية والمعيشية، ما يجعل الحد منها مسؤولية مشتركة تتطلب تعزيز الوعي المجتمعي، ودعم الأسر الأكثر هشاشة، وتوفير بيئة تضمن للأطفال حقهم في التعليم والنمو السليم بعيداً عن أعباء العمل المبكر.

يُذكر أن اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، الذي أطلقته منظمة العمل الدولية عام 2002، يُحتفل به في الثاني عشر من حزيران من كل عام بهدف تسليط الضوء على انتشار الظاهرة وتعزيز الجهود الرامية إلى الحد منها وحماية حقوق الأطفال حول العالم.

العروبة – سهيلة إسماعيل

المزيد...
آخر الأخبار