كنا وكان ،أيام زمان ، ندفع فاتورة الهاتف الأرضي بأبخس الأثمان ، ومع هذا كان الأهل يوبخون الأبناء بالقول دفعنا المبلغ الفلاني حق حكي ، لم يكن الموبايل قد فعل فعله ، وكلنا آذاناً صاغية كانت قولاً وفعلاً ، نلتفت إلى كل كلمة تقال في السهرات وجمعة العائلات ، نتلقف الأصوات والنبرات ونستمع لكل الحكايات ، بمحبة وألفة نشخص وندخل ثغرات الحوار الذي يشعل على حين غرة ، وصغير القوم خادمهم الكلمة لا تتكرر مرتين ، والمشهد يكشف احترام الصغير للكبير ، والوقوف على قدم وساق أمام رب الأسرة وكبار السن المتواجدين في الجلسة العائلية ، لغة الحديث لها قواعد وأركان وقيم ، وترسم العلاقة بين الابن والأهل وموصول بها علم وعمل لا يعرف الكلل والكسل …
دخل الجوال مفاخراً ، واستحدثت معه الجلسات والكلمات والأخذ والهات ، وكله بات في سياق جديد وعلى إيقاع حديث..
فاجتماع العائلة له وجه جديد ، الآذان الصاغية والعيون الفاحصة باتت مرافقة للجوال وكل واحد منشغل ، بجواله ، وسهرة العائلة على الصامت ، فالشبكة اصطادت الجلسات العائلية ، فكل حط رحاله في خانة ، معرفة ، تسلية ، .. لاهث وراء أثر يعاين ، يضحك ، يندهش ، وعيون شاخصة إلى الجوال لحظة بلحظة ، هذا هو المنتدى والسحر …
فاتورة الحكي كبرت و أضيفت لها متابعة نت ، مع خدمات استقبال واستصدارات جديدة بدأت من موبايل نوكيا “أبو شحاطة ” إلى الدبدوب والدمعة وبعدها ” التاتش ” ما جعل السوق يلتهب بعرض أنواع الموبايلات والميزات وكل نسخة بتقنية جديدة تشعل السوق وتجذب المهتمين والمقتدرين مادياً ، و استهلكت أحاسيسنا وأوقاتنا بالجلوس أمام موبايل صغير اتسعت له صدورنا وبتنا نتناقش ونتراسل عبره ونسير خلف ما يمليه علينا أصحاب المواقع والصفحات…. و صغرت جلسة العائلات وباتت اللامبالاة سيدة الجلسات وقلّ الكلام ، وقلّ الإلهام
حلم شدود