بات ارتفاع أجور الإقامة والعمليات الجراحية في المستشفيات الخاصة بمدينة حمص عبئًا يثقل كاهل المواطنين، وسط مطالبات بتطبيق فعلي للتسعيرات المحددة من قبل وزارة الصحة، في ظل لجوء الكثير من المواطنيين للتوجه للمشافي الخاصة بسبب العبء الكبير والازدحام في المشافي الحكومية التي تعاني أصلاً من تبعات الحرب.
تكاليف باهظة رغم الحالات الطارئة
يروي محمد.أ، وهو من ريف حمص الجنوبي، معاناته بعد دخول أحد المستشفيات الخاصة إثر إصابته بنزيف دماغي حاد، حيث بقي يومين فقط في غرفة العناية المشددة، لكن الفاتورة تجاوزت ثلاثة ملايين ليرة سورية، ما أجبر أسرته على نقله إلى مستشفى الزهراء الوطني لعدم قدرتهم على تحمل المزيد من التكاليف، رغم أن المستشفى تابع لإحدى الجمعيات الخيرية.
أما أسامة.ع، فيذكر أنه أدخل والدته لإجراء تنظير معدة بسيط بعد استشارة طبيب هضمية، ليتفاجأ بأن العملية كلّفته 800 ألف ليرة، رغم أنها لم تستغرق أكثر من عشر دقائق.
هذه النماذج ليست سوى أمثلة بسيطة لمعاناة تتكرر يوميًا في المستشفيات الخاصة، وسط ظروف اقتصادية صعبة وضعف القدرة الشرائية، لاسيما بعد انهيار البنية الصحية خلال سنوات الحرب، وغياب الدعم عن المؤسسات الطبية الحكومية.
جهاز غير متوفر.. والعملية بـ 3 ملايين ليرة
في حالة أخرى، اضطر ر.علي لنقل والدته إلى مستشفى طرطوس الوطني لإجراء عملية تنظير دوالي مريء، بعد أن تبيّن عدم توفر الجهاز اللازم في مستشفيات حمص الحكومية، فيما تجاوزت تكلفتها في المستشفيات الخاصة ثلاثة ملايين ليرة.
أما يوسف.ع، فقد خرج من أحد المستشفيات الخاصة بعد يوم من خضوعه لثلاث عمليات جراحية، مفضلًا متابعة العلاج في المنزل بعدما بلغت فاتورته 1200 دولار، ما اضطره للاستدانة من أقربائه لتغطية التكاليف، وكذلك ر.العلي، وهي موظفة متقاعدة، رفضت إجراء قثطرة قلبية في أحد المستشفيات الخاصة رغم توصية الطبيب، خوفًا من كلفة العملية التي تعجز عن دفعها.
تكاليف تقديرية غير واضحة.. والأجر “حسب الدكتور”
خلال زيارتنا لعدد من المستشفيات الخاصة، تبين أن أسعار العمليات تختلف بشكل كبير، إذ يتراوح أجر استئصال الزائدة بين 2.5 إلى 3 ملايين ليرة، بينما تصل الولادة القيصرية إلى 2.8 مليون، فيما تحسب الإقامة في العناية المشددة بالملايين أيضًا، وفقًا لحالة المريض.
الغريب أن عبارة “الأجر حسب الدكتور” تتكرر كثيرًا، وهو ما يثير تساؤلات حول العلاقة بين الطبيب والمستشفى، أو تقدير الطبيب للحالة المادية للمريض، في ظل غياب ضوابط واضحة تُلزم الجميع بتسعيرة محددة.
رأي الأطباء: الأسعار مبررة أو معتدلة؟
الدكتور محمد.د أشار في حديث لـ “العروبة” إلى أن وزارة الصحة هي الجهة المسؤولة عن تحديد أجور العمليات والإقامة، مؤكدًا أن ارتفاع التكاليف يعود لغلاء الأدوية والمستلزمات الطبية.
في المقابل، اعتبر الدكتور صالح.د أن الأجور في سوريا تبقى منخفضة مقارنة بدول الجوار، مستدلًا بقدوم مرضى لبنانيين وعراقيين لتلقي العلاج في البلاد، لكن هذه المقارنة تبقى غير منطقية إذا ما قورنت بمستوى دخل المواطن السوري .
غياب ثقافة الشكوى… والوزارة تعد بإجراءات
معاون مدير صحة حمص، الدكتور محمد الرئيس، أكد لـ “العروبة” أن العديد من المواطنين لا يمتلكون ثقافة تقديم الشكاوى، مشيرًا إلى أن أي شكوى تصل للمديرية تُتابع مباشرة ويتم إنصاف المريض، وقد استُردت مبالغ مالية في حالات سابقة، وأشار إلى وجود تسعيرة قديمة ما زالت سارية، مع وعود من الوزارة بإصدار تسعيرة جديدة قريبًا لضبط الفوضى الحاصلة.
قرار وزاري قيد التطبيق
يُذكر أن وزارة الصحة في عهد النظام البائد، كانت قد أصدرت القرار رقم 79/ت لعام 2024، والذي نصّ على رفع أجور المعاينات الطبية وأسعار الخدمات الجراحية في المستشفيات الخاصة، حيث تم تحديد سعر الوحدة الجراحية بـ 5000 ليرة، بزيادة تفوق 600%. كما نص القرار على ربط أجور الإقامة بتصنيف الغرف وفق وزارة السياحة، لتُحسب بنصف القيمة المحددة لغرف الفنادق.
وبات ارتفاع أجور المستشفيات الخاصة في حمص بات قضية تؤرق شريحة واسعة من المواطنين، وتستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية لضبط التسعيرات، وضمان عدالة المعاملة بين المريض والمنشأة الطبية.
ويشهد القطاع الصحي في سوريا ضغوطًا متزايدة منذ أكثر من عقد نتيجة الحرب، التي أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية، وخروج العديد من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، إلى جانب هجرة الكوادر الطبية المدربة، ما انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة في القطاع الحكومي.
العروبة – سهيلة إسماعيل
